كشف حاكم مصرف لبنان كريم سعيد أن إقرار قانون الفجوة المالية قد يتطلب ما بين 6 و8 أشهر، في ظل استمرار الملاحظات التي تحول دون التوصل إلى صيغة نهائية تحظى بتوافق السلطات اللبنانية وصندوق النقد الدولي. وقال سعيد، في مقابلة حصرية مع "سي إن إن الاقتصادية"، إن مشروع القانون خرج من الحكومة في نهاية عام 2025، إلا أن مصرف لبنان سجّل ملاحظات عليه، إلى جانب "ملاحظات شديدة" أبداها صندوق النقد الدولي. وأوضح أن العمل جارٍ لتوحيد الرؤية، متوقعًا إحالة صيغة متوافق عليها إلى مجلس النواب بحلول نهاية أيلول، لكنه استبعد صدور القانون قبل 6 إلى 8 أشهر، استنادًا إلى وتيرة إقرار القوانين في لبنان. ويُعد قانون الفجوة المالية، المعروف أيضًا بقانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، محطة أساسية في مسار معالجة الانهيار المالي المستمر منذ عام 2019، إذ يفترض أن يحدد حجم الخسائر وكيفية توزيعها وآلية استعادة المودعين أموالهم، بعد إقرار تعديلات قانون إصلاح وضع المصارف في آب. وفي ملف الودائع، أعلن سعيد أن موجبات مصرف لبنان تجاه المصارف والمودعين تبلغ نحو 79.5 مليار دولار، وقد تنخفض إلى قرابة 79 مليار دولار بحلول نهاية العام، فيما بلغت المدفوعات التراكمية للمودعين بموجب التعميمين 158 و166 نحو 6.1 مليار دولار. ولفت إلى أن ما وصفه بـ"الشوائب" داخل الموجبات المسجلة في ميزانية مصرف لبنان قد يصل إلى 30% من قيمتها، موضحًا أن المبالغ المتبقية بعد التدقيق يمكن سدادها للمودعين نقدًا على مدى سنوات عدة أو من خلال سندات. ويستخدم مصرف لبنان مصطلح "الشوائب" للإشارة إلى مطالبات يعتبرها غير محقة، بينها ودائع مجهولة المصدر، وتحويلات دفترية من الليرة إلى الدولار نُفذت بعد اندلاع الأزمة من دون تغطية فعلية، إضافة إلى فوائد يصفها بالمضخمة. ولا تزال آلية فرز هذه المبالغ وتحديد المسؤولية عنها من أبرز نقاط الخلاف بين المودعين والمصارف والدولة. وفي ما يتعلق باحتياطي الذهب، أكد سعيد أنه يعارض بيعه من حيث المبدأ ومن دون إطار محدد، لكنه لم يستبعد طرح المسألة إذا واجه مصرف لبنان التزامًا ملحًا تجاه المودعين لا يستطيع الوفاء به. وشدّد على أن الذهب ليس مخصصًا لتمويل مشاريع الدولة أو لتسديد التزاماتها أو التزامات المصارف. ولا يملك حاكم مصرف لبنان منفردًا صلاحية اتخاذ قرار البيع، إذ يمنع القانون رقم 42 الصادر عام 1986 التصرف بموجودات المصرف الذهبية مباشرة أو بصورة غير مباشرة، إلا بموجب نص تشريعي يصدر عن مجلس النواب. وأشار سعيد إلى امتلاك المصرف أصولًا عقارية ومالية أخرى يمكن الاستناد إليها للوفاء بالتزاماته، معربًا عن أمله في أن يتيح تحسن الوضع السياسي تجنب بيع الأصول الأساسية. وعن الأصول الأجنبية الظاهرة في ميزانية مصرف لبنان، والبالغة نحو 12 مليار دولار، أوضح أنها لا تمثّل احتياطيًا حرًا يملكه المصرف بالكامل، بل تشمل الاحتياطات الإلزامية التي تودعها المصارف لديه، إضافة إلى ودائع الدولة اللبنانية. وقال إنه لا يمكن تحديد مستوى ثابت لا ينبغي النزول دونه في ظل الأزمة والحرب، مشيدًا بأداء وزارة المالية في تحسين الجباية والحد من الإنفاق، وواصفًا ذلك بـ"الانضباط المالي". وفي ملف الليرة، فرّق سعيد بين استقرار سعر الصرف وسياسة التثبيت الرسمية، قائلًا: "نحن اليوم أمام ثبات لليرة، لا تثبيت لها". وربط استمرار هذا الثبات بالطلب على العملة المحلية لتسديد الضرائب، موضحًا أن جباية الدولة نحو 6 مليارات دولار سنويًا بالليرة اللبنانية تخلق طلبًا عليها وتساعد في الحفاظ على الاستقرار النقدي. أما احتمال حذف أصفار من العملة اللبنانية، فرأى أن هذا القرار يعود إلى مرحلة لاحقة، مؤكدًا أن الظروف الحالية لا تسمح بطرحه أولوية. وقارن الوضع بسوريا، حيث انتهت الحرب، فيما لا يزال لبنان يواجه حربًا وقيودًا تحد من تدفق الاستثمارات الأجنبية. وفي شأن إدراج لبنان على قائمة الاتحاد الأوروبي للدول عالية المخاطر، اعتبر سعيد أن الخروج من قوائم المراقبة ليس مسألة سياسية أو قانونية فحسب، بل يشكّل أيضًا تحديًا تنظيميًا.