تشهد أسواق النفط العالمية حالة من التذبذب الحاد مع بداية الحرب في الشرق الأوسط وتباطؤ نمو الطلب العالمي. تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن الطلب العالمي سينكمش بنحو 1.1 مليون برميل يومياً في 2026 مقارنة بالعام السابق. في المقابل، من المتوقع أن ينخفض المعروض العالمي من النفط بمقدار 3.9 مليون برميل يومياً ليصل إلى نحو 102.4 مليون برميل يومياً عام 2026. هذا التراجع في المعروض يعود جزئياً إلى تأثيرات الحرب في المنطقة واستمرار إغلاق مضيق هرمز أمام صادرات النفط الإيرانية. وتفاقمت الاتجاهات الطلبية بفعل ارتفاع أسعار الوقود، مما أدى إلى هبوط إضافي في الطلب بأكثر من 5 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني من 2026 بالمقارنة مع مستوياته قبل الحرب. ومع توقع تعافٍ محدود في الطلب (+2 مليون برميل يومياً) عام 2027، يبقى المستوى المتوقع للطلب (≈105.3 مليون برميل يومياً) أدنى من مستويات ما قبل الصراعات الحالية. سياسات إنتاج «أوبك+» وتأثيرها على المعروض يتبع تحالف «أوبك+» سياسة تدريجية في تعديل الإنتاج النفطي، حيث اتفقت الدول الأعضاء السبعة الكبرى (السعودية وروسيا والعراق والكويت وكازاخستان والجزائر وعُمان) على رفع مستهدف الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يومياً اعتباراً من يوليو 2026. ومع ذلك، فإن هذا الرفع هامشي مقارنة بالطلب العالمي ويراعي الظروف الدقيقة للسوق، إذ يمكن للتحالف تعليق أو تعديل أي زيادات مستقبلية حسب تطورات الأسواق. فعلى سبيل المثال، قرر اجتماع سبتمبر 2026 الإبقاء على سياسة الإنتاج دون تغيير لشهر أكتوبر، مع التوجه للتركيز على مراجعة الطاقات الإنتاجية وتثبيت الحصص الأساسية لعام 2027. يلعب التنسيق بين السعودية وروسيا الدور الأهم في إدارة السياسة الإنتاجية لتحالف «أوبك+». وتعتمد فعالية التحالف على التزام الدول الكبرى بحصصها المعلنة وموازنة أي زيادة إنتاجية مع حالة المخزونات النفطية العالمية. وتظل الحقيقة هي أن الحصص المتفق عليها لا تعني بالضرورة ضخ كميات إضافية إلى السوق الفعلية، خاصة مع استمرار اضطرابات الشحن في الخليج. وفي ظل وجود طبقة إضافية من التخفيضات الإجبارية حتى نهاية 2026، يتوقع أن يُوقف التحالف زيادات الإنتاج في الربع الرابع حتى الانتهاء من مراجعة الطاقات الأعضاء. التداعيات الجيوسياسية على الإمدادات أدى الحصار البحري الأميركي إلى توقف شحنات النفط الإيرانية تقريباً، إذ انخفضت صادرات ميناء جاسك البديل إلى الصفر مع بداية سبتمبر 2026. وقد أسهمت هذه الإجراءات في جعل إيران تمر بأطول فترة في تاريخها (حوالي سبعة أسابيع) بدون شحنات نفطية تذكر عبر مضيق هرمز، مما رفع أسعار النفط نظراً للقلق من شح المعروض. وفي المجمل، تستمر الأسعار في السيطرة على مستوى مرتفع بسبب أي احتمالات لزيادة أزمات العرض، بينما تشكّل أي بارقة تفاؤل سياسية (مثل محادثات السلام المقرر توقيعها) عامل ضغط هبوطي على الأسعار في المدى القصير. الدور الروسي ومشروع «فوستوك أويل» تواصل روسيا توريد نفطها إلى الأسواق العالمية، مؤكدة التزامها بدعم استقرار الأسعار على الرغم من أعمق أزمة في قطاعها النفطي منذ سنوات بسبب العقوبات وتراجع بعض حقولها التقليدية. وقد سجل إنتاجها الخام نحو 9 ملايين برميل يومياً في مايو 2026، مقارنة بـ9.13 مليون برميل يومياً في المتوسط عام 2025. وتلعب روسيا دوراً محورياً في تحالف «أوبك+» وتُراقب عن كثب مسار مراجعة الطاقات الإنتاجية الجارية؛ فدخول «فوستوك أويل» مرحلة الإنتاج والتصدير قد يمنحها قدرة إضافية على الحفاظ على حصتها. في هذا السياق، يُعد مشروع «فوستوك أويل» القطبي العملاق ورقة تفاوضية رئيسة لموسكو. فمن المتوقع أن تبدأ صادراته قريباً، ويستهدف المشروع إنتاج نحو 600 ألف برميل يومياً في مراحله الأولى، يرتفع تدريجياً إلى نحو 2.3 مليون برميل يومياً بحلول عام 2033. ويسمح المخطط البحري المرتبط بالمشروع بإيصال الخام إلى الأسواق الآسيوية عبر الطريق القطبي، ما دفع روسيا إلى تسريع استخدام المسار البحري الشمالي (NSR) فقد أُطلقت 7 ناقلات إلى آسيا تحمل نحو 6 ملايين برميل عبر هذا الطريق في موسم 2026. وبالتالي، يعد «فوستوك أويل» ركيزة أساسية للحفاظ على إنتاجية روسيا على المدى الطويل وبطاقة تفاوضية في تحالف «أوبك+» خلال مراجعة حصص 2027 مع استمرار تآكل المخزونات العالمية وتباطؤ الطلب، تتجه توقعات الأسعار في 2026 نحو البقاء في مستويات مرتفعة نسبياً مع تذبذب واضح. فقد عدلت إدارة معلومات الطاقة الأميركية توقعاتها لتصل إلى متوسط 85 دولاراً للبرميل في الربع الثالث من 2026، على أن ينخفض تدريجياً إلى نحو 69 دولاراً في المتوسط بحلول عام 2027 مع تعافي الإنتاج العالمي. وعليه، قد يستمر النفط في عام 2026 ضمن نطاقات سعرية بين 70 و90 دولاراً للبرميل، مع تذبذبات حادة