أثار "اعتراف" النجمة الكندية سيلين ديون بأنها لا تعرف فيروز، خلال حديث عابر مع صحافية لبنانية في باريس، استغراب بعض المتابعين العرب، وربما شيئاً من الغضب، كأن معرفة المغنية اللبنانية من البديهيات التي يفترض أن يشترك فيها سكان الكوكب. لكن السؤال ربما يجب أن يطرح بصورة معاكسة: لماذا يفترض أصلاً أن تعرف سيلين ديون مَن هي فيروز؟ لا يتعلق الأمر هنا بقيمة فيروز الفنية من عدمها، ولا بمكانتها الرمزية في لبنان، بل بذلك الالتباس المزمن في استخدام كلمة "عالمي" في الصحافة الفنية العربية وبين جمهور النجوم العرب، حيث تتحول الشهرة الواسعة داخل المنطقة العربية، وأحياناً بين الجاليات العربية في الخارج، بصورة تلقائية إلى "شهرة عالمية". لكن، أن يكون الفنان عالمياً يعني أن يتجاوز حضوره حدود لغته وسوقه الأصلية، وأن يصبح اسمه وصورته وبعض أعماله على الأقل قابلة للتعرف في أسواق وثقافات متباعدة. مادونا فنانة عالمية، وسيلين ديون فنانة عالمية. ومايكل جاكسون كان نجماً عالمياً بالمعنى الحرفي للكلمة. هؤلاء يمكن التعرف إليهم بدرجات متفاوتة في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط واليابان والصين وأميركا اللاتينية وغيرها، حتى من قبل أشخاص لا يستمعون إلى موسيقاهم. أما النجاح الهائل في سوق إقليمية فلا يتحول إلى نجاح عالمي بمجرد وصفه كذلك. هذه النقطة تحدثت عنها المغنية اللبنانية نوال الزغبي مراراً، رغم كونها نفسها واحدة من أبرز نجمات البوب العربي منذ تسعينيات القرن الماضي. ففي العام 2017، أثارت الزغبي جدلاً في مهرجان "موازين" عندما قالت أن زميلها الشاب خالد ليس فناناً عالمياً، بل يمكن وصفه بالفنان الإقليمي، مؤكدة في الوقت نفسه أنها هي أيضاً ليست فنانة عالمية، وأن "العالمية كلمة كبيرة". وشرحت الزغبي فكرتها في مناسبة أخرى بمثال أكثر وضوحاً: يمكن لفنان أن يحيي حفلة في الصين أمام مئة شخص، لكن ذلك لا يجعله عالمياً. المسألة تتعلق بوجود جمهور فعلي في السوق الأخرى وانتشار الأغاني فيها، لا بمجرد السفر إليها وإحياء حفلة على أرضها. وسبق للزغبي أن طبقت المعيار نفسه على عمرو دياب، عندما قالت أن النجاح الكبير لأغنية "نور العين" وترجمتها إلى لغات مختلفة لا يجعلان دياب فناناً عالمياً، مستشهدة بنفسها أيضاً: فأغنيتها الشهيرة "الليالي" عرفت انتشاراً خارجياً وترجمت إلى لغات أخرى، من دون أن يعني ذلك أنها أصبحت نجمة عالمية. وهذا ربما أحد أكثر الفروق التي تضيع في النقاش العربي حول النجومية. فوجود جمهور عربي لفنان في باريس أو مونتريال أو سيدني لا يعني بالضرورة اختراق السوق الفرنسية أو الكندية أو الأسترالية. ربما يملأ المغني العربي مسرحاً في باريس من الجالية العربية، فيما لا يعرف اسمه تقريباً أحد خارج الجمهور العربي الذي اشترى البطاقات. في هذه الحالة انتقل الجمهور جغرافياً، لكن الفنان لم ينتقل ثقافياً إلى السوق الجديدة. إليسا، مثلاً، واحدة من أنجح المغنيات العربيات في العقود الأخيرة، لكنها ليست نجمة عالمية ونانسي عجرم في ذروة نجاحها ظهرت في لقاء عابر مع أوبرا وينفري، والأمر نفسه ينطبق على أسماء عربية كثيرة حققت جماهيرية هائلة ومبيعات وحفلات خارج بلدانها. ليس في ذلك أي انتقاص من نجاحها، بل توصيف لحجم السوق الذي تتحرك فيه، رغم أن اسم إليسا يحضر في لوائح منصات الموسيقى العالمية كل عام مثل "سبوتيفاي" أو "يوتيوب ميوزك". وهنا تحديداً تكمن المفارقة في الضجة حول فيروز التي تمتلك حضوراً في الوجدان اللبناني يتخطى الفن نحو الرمزية الوطنية، تجعل من الصعب على بعض جمهورها تخيل عالم كامل لا يعرفها. لكن العالم أكبر بكثير من المجال الثقافي الذي يعيش الأفراد داخله، تماماً كما توجد في الهند والصين واليابان والبرازيل ونيجيريا أسماء فنية هائلة يعرفها عشرات الملايين وربما مئات الملايين، وربما لا يعرف المستمع العربي أسماءها إطلاقاً. لا يجعل ذلك بالطبع هؤلاء الفنانين أقل أهمية، وبالطريقة نفسها، فإن عدم معرفة سيلين ديون بفيروز لا ينتقص من "قيمة" فيروز لدى معجبيها أيضاً. ولعل رد ديون نفسه كان أكثر طبيعية من التعصب الزائد لفيروز عندما سألت ببساطة: "هل يجب أن أستمع إليها؟". لا إهانة في الأمر ولا موقف سلبياً، بل فنانة كندية لم تسمع بفنانة لبنانية تنتمي إلى فضاء موسيقي ولغوي مختلف تماماً عن فضائها. والأطرف أن سيلين ديون تعرف في المقابل، "البابا غنوج". لكن هذه المفارقة ليست مجرد نكتة. ربما يقول "البابا غنوج" شيئاً مهماً عن الطريقة التي تنتقل بها الثقافة عبر الحدود. فالمطبخ اللبناني استطاع الوصول إلى أماكن لم تصل إليها الموسيقى اللبنانية. أسماء أطعمة مثل الحمص والتبولة والشاورما والفلافل واللبنة والزعتر والبابا غنوج أصبحت مألوفة بدرجات مختلفة في مدن كثيرة حول العالم، وتقدمها مطاعم لا يشكل العرب وحدهم زبائنه