بعض ما كتب في فايسبوك عن النبطية التي تنزف وتُدمّر بفعل القصف الإسرائيلي اليومي: "الحبيب الصادق"حين أشعلعند جدار الحكاية إيقاعاً جميلاًتَسَامى الهوىفي أرض الجنوبوتَسَامى بأستاره النَهَوَنْد الآثرطار قلب القصيدة من شهوة الشِّعرْوفي زمان المرارات والخوفضاقت به النسماتمن مسائهمن رؤاه، من شوقهفارتدى ظل المقاميرتجي في سماه الأمان"أهلوكِ لا سورٌ من الكذب/ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرُتَب/ صدّوا الرياح السود يحفزهم / جرحُ التراب وأَنَّةُ العُشب"لعلّه " البيت " الأبهى في ما عمّره الحبيب الصادق. سيظل اسمه سامقاً في التاريخ كمثل شجر السرو. بادية هاني فحصأرجوك يا الله لا تترك النبطية وحدها!لا تخذلها هذه المرّة أيضاً، كما خذلتها في الحرب السابقة.أرجوك يا الله لا تترك الوحش يقتلها ويهدم بيوتها وتراثها وسوقها الحلو.انزل على النبطية يا الله، قبل أن يصلها الوحش، أو أرسل جيشاً من عندك يحميها... يا الله... ليست النبطية أجمل مدينة في العالم، وليست أغلا من غيرها ولا أعزّ، لكن نحن أهلها مصابون بمرض التعلّق بها لدرجة أن مرضنا قضى على جينات التأقلم فينا.حين نبتعد عنها نصبح مثل الديناصورات تماماً، مهدّدين بالانقراض، أيهون عليك أن ننقرض؟ أتعرف كم سيخسر العالم من الظرافة والسخرية والفكاهة إذا تفرّق شمل أهل النبطية؟ أتعرف أن النبطية ذاكرة للعالم كله؟ أتعرف أن فيها أشخاصاً يحملون أسماء: هتلر ورومل والشاهنشاه وعلي بوتو وكاسترو وديغول؟ وأن فيها سوقاً للحم؟ أي مدينة في العالم كله يوجد فيها سوق للحم فقط؟ يا الله... أتعرف أن في النبطية نهراً شتوياً اسمه البرغوت؟ وجبلاً اسمه الصفر تلاتة؟ وفيها بناية منذ أربعين سنة مهدّدة بالانهيار وما زالت صامدة ومسكونة؟ وفيها جامع له مئذنتان يسمّونه جامع أبو قرنين؟ أتعرف أن طبيبها النبيل شفيق الغفري كان كثيرون يلفظون اسمه خطفاً ليصبح شبيهاً بتشي جيفارا؟ وهو كان مثله بالفعل، طبيباً للفقراء... أتعرف أنه يوم اشتبك الحزب مع الحركة على مسيرة عاشوراء، سمّوا الحادثة "ثورة الحجارة"؟أتعرف يوم أصدر محمّد المشنوق كتابه المصوّر عن بيروت بعنوان: بيروت جميلةُ الصباح، تداول أهل النبطية أن ابنتهم جميلة الصبّاح ألّفت كتاباً عن بيروت؟يا الله... ليست النبطية مجرّد مدينة، ولا جغرافيا لها حدود تبدأ عند نقطة وتنتهي عند أخرى، النبطية توليفة إنسانية فيها من التناقضات والمفارقات ما يعجز أي مجتمع بشري عن جمعها في ذاكرة واحدة... النبطية ضحكة على وجه هذا العالم... العالم القبيح الذي لا يقدّر الجمال! رامي الأمينأرسل لي صديقي قبل قليل، يقول إن بيت الطفولة التي عشتُ في كنفه حتى صار عمري تسع سنوات، صار ركاماً. قصفت طائرة إسرائيلية البيت في حي الراهبات في النبطية. كان بيتاً تراثيا امتلكه الدكتور عدنان الشريف، وكان عمي قد تزوج أخته ناديا، التي كانت مربية مدرسية قديرة في المدينة. في الثمانينات في خضم الحرب وبعد ان تهجّر أهلي من شقرا، ثم من ضاحية بيروت، أعارهم الدكتور عدنان الطابق السفلي من الفيلا ليسكنوا فيه، شقة صغيرة عبارة عن غرفة نوم وصالة صغيرة ومطبخ وحمام، أمامها باحة جميلة تطل على حديقة فيها بركة مياه وأشجار مثمرة كان يهتم فيها الدكتور عدنان بيديه بمساعدة بستاني يقوم بري المزروعات حينما يكون الدكتور وعائلته في بيروت. في الصورة مع الجرو الأسود، أقف على الدرج نفسه الظاهر في صورة البيت بعدما اشتراه احدهم وحوله لمطعم. أقف هناك بمريول المدرسة، مع "بلاكي" الكلب الذي وضعته أمه مع ثمانية جراء آخرين تحت المصطبة لجهة باب المطبخ، وجدتها هناك ثم رحت بمساعدة أمي اضع للكلبة الأم كسرات الخبز المبلولة بالحليب لتأكل وترضع جراءها. بعد اسابيع صارت باحة البيت ملعباً لجيش من الكلاب. تسعة جراء تحتل الباحة والحديقة، وامي تخاف من الكلاب. وكان على أبي ان يجد حلاً. احضر صندوقاً وبدأ يحمل الجراء ويضعهم فيها وحملها إلى السيارة لنقلها إلى سوق اللحم في وسط المدينة، هناك تستطيع ان تأكل وتعيش مع عشرات الكلاب الأخرى. وحده "بلاكي" قفز من الصندوق، واختبأ تحت المصطبة. بقي في الحديقة، أطعمه حليبا وخبزاً وبقايا طعامنا، وألعب معه حينما اعود من المدرسة. احيانا كان يرافقني مشيا الى المدرسة، في آخر الطلعة، مدرسة الراهبات، وكان يتركني ويعود حينما ادخل الى بوابة المبنى، خصوصا حينما يرتعب من الزحام والسيارات والباصات. وكنت أجده ينتظرني حينما أعود. اختفى لاحقاً وقال أبي إن سيارة دهسته على الغالب، لأنه كان كثير الخروج إلى الطريق. الآن البيت اختفى. لم تدهس سيارة البيت. دهسته طائرة، حوّلت الذاكرة إلى ركام. بلاكي، لا يزال هناك، على درج الذاكرة... ينبح. مات قهرا ولم يتمكن من الوصول الى رزقه وما جناه في عمره في النبطية الفوقا.. علي نديم غندور فقيد الشباب وأطيب قلب الشاب العصامي الذي بدأ حياته من الصف