تناثرت أحلام مريم وعبدالله وعباس ومحمد وفاطمة بين ركام منزلهم. كانوا يتحضّرون للعودة إلى المدرسة، جهّزوا كتبهم وقرطاسيتهم، وانتظروا بفرح إنطلاقة عامهم الدراسي… لكن هذا الحلم أُجهض بنيران الصاروخ الإسرائيلي. قرابة الواحدة والنصف من فجر الاثنين، شنّت الطائرات الحربية غارة استهدفت منزل أبو داني فرحات في الحارة الشرقية لبلدة كفررمان. لم تُدمّر الغارة طبقات المنزل الثلاث فحسب، بل دمّرت حياة عائلة بأكملها. استشهد حسين فرحات وزوجته وأطفالهما الأربعة، وشُطبت عائلة كاملة من السجل العائلي. تقول مريم فرحات، قريبتهم، إن دموعها ودموع أفراد العائلة تختصر حجم الوجع الذي حلّ بهم. أمام بوابة النجدة الشعبية، وقفت العائلة تترقّب المشهد، وترسم أسئلة قاسية لا تجد لها جواباً. "شو ذنب الطفولة تقتلها إسرائيل؟" مرت ساعات ثقيلة وقاسية على العائلة. تقول مريم إن عائلة حسين كانت تستعد لموسم المدرسة، وكان الأطفال يعيشون فرحة التحضير، وكانت ألعابهم حاضرة وكتبهم جاهزة. تشير مريم إلى أن زهراء زوجه حسين موظفة بلدية وحسين أستاذ مهني، حسن معلم كهرباء وزوجته موظفة في دائرة العمل وعمي ابو داني عسكري متقاعد، عائلة كانت تعيش بأمان وأطفأ العدو أمانهم. في مكان المنزل المستهدف، تعمل الحفارات وآليات الإنقاذ على رفع الركام والبحث بين الحجارة. لا تزال مريم تقف بين أكوام الحطام، تستعيد صورة المكان قبل الواحدة والنصف فجراً، حين كان المبنى يضج بالحياة. اليوم، لم يبقَ منه سوى الغبار والركام والموت. يقول حسين، أحد جيران العائلة، إن الشهداء كانوا عائلة معروفة بحسن أخلاقها، أناسٌ طيبون محبين للحياة. يقف أمام ركام المنزل، ينظر بحزن، ويستعيد لحظة الغارة: "اهتزّت الأرض بنا لحظة الغارة، كأنّ زلزالاً وقع. غرقنا بالغبار، وحين انقشعت الصورة رأينا هول المجزرة." أما المسعف في الهيئة الصحية جاد ضاهر، فــيصف المشهد بأنه من أقسى المشاهد التي عاشها خلال عمله: "كانت أشلاء الشهداء مبعثرة بين الركام. رأيت طفلة تبكي، وأختها شهيدة إلى جانبها. كانت تصرخ من الوجع، مشهد لا يمكن تحمّله." أطفال لم يتجاوز بعضهم الثالثة من العمر، وجدوا أنفسهم في مواجهة الموت تحت أنقاض منزلهم. وفي أقل من 24 ساعة، تعرّضت كفررمان لثلاث غارات مدمّرة، استهدفت إحداها منزل المختار علي معلم، وأخرى سيارة تقل ثلاثة شبان كانوا في طريق عودتهم من عملهم في أحد مطاعم البلدة، قبل أن تأتي الغارة الثالثة لتستهدف منزل عائلة فرحات وتحوّله إلى مسرح لمجزرة. يحاول جاد أن يجد تفسيراً لما حدث: "لم يكن هؤلاء الأطفال يحملون بنادق، ولا صواريخ. كانوا يحملون كتباً وحقائب وأحلاماً صغيرة بالمدرسة والحياة". ويبقى السؤال: أين العالم مما يحدث في جنوب لبنان؟ الغارة لم تمحُ عائلة فرحات فقط، بل تركت خلفها سؤالاً أكبر عن مصير الحياة في المنطقة. تقول مريم: "أرادوا قتل الحياة فينا، قتل عزيمتنا، ليسرقوا الأرض منا. هذه المجزرة تندرج في سياق التهجير القسري لنا، لكن هذه الأرض لنا ولن نتركها." في كفررمان، كما في قرى وبلدات النبطية، خيّم الحزن والقلق. البلدة التي كانت تعجّ بأهلها، باتت شبه خالية، ولم يبقَ فيها سوى قلة من الصامدين. ما جرى ليس مجرد غارة جديدة، بل تطور خطير في مسار حرب تتصاعد حدّتها، وتدفع المدنيين، والأطفال تحديداً، ثمنها الأكبر. واليوم، بعد مجزرة عائلة فرحات، السؤال لم يعد فقط: ماذا حدث؟ السؤال: ماذا بعد؟ ما تداعيات هذه المجزرة على كفررمان والنبطية وقرى الجنوب؟ ومن يوقف هذه المجازر بحق الأهالي؟ ومن يحمي الأطفال الذين كان ذنبهم الوحيد أنهم كانوا يستعدون للمدرسة ويحلمون بيوم جديد؟