لن نطلب من سمير جعجع أن يتخلى عن مسيحيته، ولا أن يخجل من تاريخ القوات اللبنانية، ولا أن يتوقف عن الدفاع عن الجمهور الذي يمثله. لن نطلب أيضاً أن نتعامل مع كل موقف يصدر عنه وكأنّه امتدادٌ للحرب الأهلية. وجعجع، مثل سائر السياسيين اللبنانيين، يملك الحق في أن تكون له رؤيته وقراءته ومخاوفه ومصالحه. مع كلام سمير جعجع تخرج الحرب من كتب التاريخ لتعود إلى الكلام. وحين يذكِّرُ سمير جعجع بالسؤال عن مسيحية طارق متري وكأنّ ذلك الأمر جزءٌ من السجال السياسي. فنقول لماذا يحتاج سياسيٌّ لبناني إلى الطائفة كي يقرأ الآخر. المشكلة أن لبنان الذي نريده بعد كل هذه السنوات لا يَفترض أن يُسأل طارق متري، أو غيره، عن مقدار مسيحيته كي يُفهم موقفه السياسي، ولا أن ينظر إلى المواطن من خلال طائفته قبل أن ينظر إليه من خلال مواطنيته. لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً كي يتعلم هذه البديهة. دفعها من دم الناس وبيوتهم ومدنهم وقراهم وذاكرتهم. دفعها من أجيال كاملة عاشت وهي تتعلم أسماء المناطق وخطوط التماس. لو قررنا أن ننظر إلى الحرب الأهلية اللبنانية لوجدنا أنّها كانت في جوهرها، طريقة في النظر إلى الآخر. أن ترى الطائفة والجماعة قبل المواطن. والأخطر ما يمكن أن يحدث بعد انتهاء أن تبقى طريقتها في التفكير حيّة. سمير جعجع يعرف أكثر من غيره ماذا يعني ذلك. الابن الأساسي من أبناء تلك المرحلة الحربيّة، والرجل الذي تشكلت تجربته السياسية في قلبها، وصار لاحقاً أحد أبرز وجوه السياسة اللبنانية. الكلام هنا ليس فيه هذه الإدانة لكنها تجعل مسؤوليته أكبر. فمن عاش الحرب لا يُفترض أن يبقى أسير لغتها. يفترض بسمير جعجع الذي كان جزءاً من زمن المتاريس أن يكون أكثر الناس حرصاً على ألا يرث اللبنانيون المتاريس معه. مشكلتنا قطعاً ليست في تذكّر الحرب. فنحن نحتاج إلى ذاكرتها. المشكلة تكمن في استخدام الذاكرة لتقسيم الحاضر. أن نُبقي اللبنانيين أسرى صور آبائهم. وأن نعامل كل "آخر" باعتباره امتداداً لشيء مختلف عنا. وكأن الفرد لا يملك حقه في أن يكون نفسه. طارق متري، المختلف في شجون كثيرة، ، ليس موضوع الحديث. يمكن الاختلاف معه سياسياً، ويمكن انتقاد مواقفه، ويمكن رفض أفكاره، ويمكن حتى اعتبار بعض خياراته خاطئة، ربما هذه هي السياسة. لقد تغيَّر لبنان يا حكيم قليلاً وصرنا نعالج شؤونه بعيداً من عقلية المتاريس والحرب الأهلية. تغيّرت أجياله ولغته وأحلام شبابه. اللبنانيون الذين ولدوا بعد الحرب لا يحملون تجاه الآخر تلك الحمولة التي يحملها آباؤهم. جيلنا يريد شيئاً أبسط بكثير. أن يكون لبنانياً من دون أن يضطر كل صباح إلى اختيار موقعه على خريطة الطوائف. يريد أن يحب بلده من دون أن يقدم طلب انتساب إلى طائفته. ويريد أن يختلف معك سياسياً من دون أن تقول له في خطاب سياسيّ أنّك محسوب على كذا فيفترض أن تقول كذا. وبالتالي اختلافه دليلٌ على أنه ليس "منك". الحرب اللبنانية تركت لنا إرثها الغريب. انتهت في الخارج ولم تنتهِ بالكامل في الداخل. توقفت المعارك، لكن بقيت بعض طرق التفكير. تبدلت البنادق إلى ميكروفونات، والمتاريس إلى شاشات، وخطوط التماس إلى خرائط انتخابية، لكن الكلام القديم ظل موجوداً. "نحنا ولا هني"؟. يبدو خطاب جعجع أحياناً وكأنه قادم من زمن آخر. وكأنه يعيش في الماضي بكل تفاصيله. المسيحيون يا حكيم لا يحتاجون إلى سياسي ليقول لهم باستمرار إنهم محاصرون كي يعرفوا أنهم موجودون. والمسلمون لا يحتاجون إلى سياسي آخر يذكّرهم باستمرار بأنهم متهمون كي يعرفوا أنهم شركاء في هذا البلد. ألم يحن الوقت بعد لأن نتوقف عن حماية اللبنانيين من اللبنانيين؟ ليس من العدل أن يولد شاب لبناني في عام 2005 أو 2010 أو 2015، ثم يرث عداوة لم يخترها، وذاكرة لم يعشها، وخوفاً لم يصنعه، فقط لأن سياسيين ما زالوا يحتاجون إلى جمهور يشعر بأن الخطر دائماً على الأبواب. لن نطلب من سمير جعجع أن يتوقف عن أن يكون سمير جعجع. المطلوب فقط أن يدرك أن لبنان تغيّر، وأن اللبنانيين تعبوا من أن يرثوا حروب آبائهم، وأن الوطن الذي خرج من الحرب لا يستطيع البقاء وهو يعيش على مخاوفها إلى الأبد. لقد انتهت الحرب، يا حكيم. والذين عاشوها يملكون حق تذكّرها. لكنًّ جيلنا الذي لم يعشها يملكُ حقاً أكبر في أن لا يرثَها.