بعد نحو أربعة أعوام من الهدوء النسبي، انفجرت الجبهة اليمنية الداخلية من جديد. اشتباكات عنيفة بين القوات الحكومية والحوثيين، ومتغيرات ميدانية سريعة تفرض متابعة تفاصيل ما يحدث وأسبابه وتوقيته، في ظل مرحلة بالغة الحساسية يمر بها الإقليم. ومع عودة التصعيد إلى اليمن، تبرز الحاجة إلى محاولة توقّع السيناريوات المقبلة، خصوصاً أن موقع البلاد يمنح هذه الجبهة أهمية استراتيجية، وقد يجعل تطوراتها جزءاً من إعادة رسم موازين القوة في المنطقة. تنطلق أهمية اليمن أولاً من موقعه الجغرافي الاستراتيجي. فهو يقع على الجانب الشرقي من مضيق باب المندب، الممر المائي الذي يربط بحر العرب بالبحر الأحمر، ويشكّل أحد أهم طرق التجارة بين شرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. كما يقع اليمن على الحدود الجنوبية للسعودية، وبالقرب من منشآت نفطية وحيوية في جنوب المملكة. من هنا يكتسب اليمن أهمية خاصة في السياق الإقليمي. ففي المواجهة الحالية، يشكل مضيق هرمز إحدى أبرز أوراق الضغط الإيرانية على أسواق الطاقة والملاحة، فيما تستطيع طهران الاستفادة من قدرات حلفائها الإقليميين في توسيع دائرة الضغط. ويأتي الحوثيون في قلب هذه المعادلة بسبب موقعهم وقدراتهم العسكرية وقربهم من باب المندب والسعودية. كيف يمكن استخدام ورقة الحوثيين؟ المسار الأول يتمثل في تهديد الملاحة عبر باب المندب، الذي يشكل شرياناً أساسياً للتجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا. وبحسب أحدث بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، مرّ عبر المضيق في الربع الثاني من 2026 نحو 8.1 ملايين برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية. أما المسار الثاني فيتمثل في تهديد منشآت الطاقة السعودية. فقد استهدف الحوثيون مراراً مواقع ومنشآت في المملكة، بما فيها منشآت تابعة لـ"أرامكو"، في وقت أصبحت فيه طرق التصدير عبر البحر الأحمر أكثر أهمية للسعودية مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. ويتمثل المسار الثالث في إعادة تنشيط الجبهة الحوثية ضد إسرائيل. فالجماعة تمتلك صواريخ باليستية ومسيّرات قادرة على الوصول إلى الأراضي الإسرائيلية، وكانت مدينة إيلات هدفاً متكرراً لهجماتها خلال السنوات الماضية. وبالتالي، لا ترتبط الورقة الحوثية باليمن وحده، إذ تمتد آثارها المحتملة إلى الملاحة والطاقة والأمن الإقليمي. بدأ انهيار الهدوء الذي استمر منذ هدنة 2022 بصورة واضحة في تموز/يوليو الماضي، عندما استهدفت القوات اليمنية الحكومية مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية كانت تقل وفداً حوثياً عائداً من إيران. واتهم الحوثيون السعودية بالوقوف خلف الهجوم، ثم صعّدوا ضدها عسكرياً وأعلنوا حظراً بحرياً على السفن السعودية، واستهدفوا مواقع داخل المملكة، وفق ما يروي مسؤول الشؤون اليمنية في مجموعة "الأزمات الدولية" أحمد ناجي. لكن المعركة الحالية دخلت مرحلة مختلفة في 3 أيلول/سبتمبر، عندما شن الحوثيون هجوماً واسعاً ومتعدد المحاور في غرب تعز وجنوب الحديدة، مستخدمين الصواريخ الباليستية والمسيّرات والقوات البرية، في محاولة للتقدم نحو مواقع استراتيجية قريبة من الساحل وطريق تعز–المخا والمناطق المطلة على باب المندب. وردت القوات الحكومية بهجوم مضاد، واستعادت مواقع خسرتها خلال الساعات الأولى، فيما أدخلت طيرانها الحربي بصورة أوسع إلى المعركة. ويرى ناجي أن ترابط الجبهة اليمنية الداخلية بالاشتباك الإقليمي يفسر أهمية توقيت المعركة. فالضغط العسكري على الحوثيين داخل اليمن يحد من قدرتهم على تركيز جهودهم على السعودية وباب المندب، ويصعّب عليهم استخدام المضيق كورقة ضغط موازية لما يحدث في هرمز. كما أن منع الحوثيين من توسيع مناطق سيطرتهم باتجاه الساحل يحد من قدرتهم على تهديد الملاحة ومنشآت الطاقة السعودية. ما الفارق بين قدرات الحوثيين والقوات الحكومية؟ تمتلك جماعة الحوثي ترسانة من الصواريخ الباليستية والمسيّرات، كما تتميز بتماسك القيادة ووحدة القرار التي تعود إلى زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، إضافة إلى خبرتها وأفضليتها في المعارك الجبلية، وفق ناجي. أما القوات الحكومية، فقد وسعت استخدام المسيّرات وأعادت خلال التصعيد الأخير استخدام طيرانها الحربي في عمليات هجومية وإسناد القوات البرية، وهو ما يعدّه ناجي تطوراً عسكرياً مهماً. كما تضم الجبهة المناهضة للحوثيين قوات ذات تسليح وخبرة قتالية كبيرة، بينها ألوية العمالقة وقوات المقاومة الوطنية، وتملك إجمالاً عدداً أكبر من المقاتلين. لكن هذا المعسكر يعاني في المقابل ضعف التنسيق بين مكوناته وتعدد مراكز القرار، بحسب ناجي. إلى أي حد تتدخل السعودية عسكرياً؟ تحاول السعودية إبقاء تدخلها العسكري المباشر محدوداً مقارنة بسنوات الحرب الأولى، لكنها لم تبقَ خارج المواجهة تماماً. فقد نفذ التحالف بقيادتها ضربات على مواقع حوثية في الحديدة في تموز/يوليو رداً على اس