كشفت دراسة جديدة نُشرت في مجلة "EMBO ReportS" أنَّ التخّلص من الوزن الزائد لا يعني عودة الجهاز المناعي فوراً إلى حالته الطبيعية، إذ قد يتطلّب الأمر سنوات طويلة من الحفاظ المستمر على الوزن المفقود. تكمن العلّة الدقيقة في وجود علامة كيميائية تتركها السمنة على نوع خاص ومحدّد من خلايا الدم البيض تُعرف بالخلايا اللّمفاوية "CD4 T" وهي المنظّم والمحرّك الأساسي للاستجابة المناعية التكيفية في جسم الإنسان المعاصر. تتمثّل هذه العلامة الكيميائية المكتشفة في عملية بيولوجية تُسمى "مثيلة الدنا" وهي عبارة عن علامة جينية تُصيب الجينوم لتُغيّر كيفية قراءة الجينات واستخدامها من دون أن تُحدث أيّ تعديل في الشفرة الوراثية نفسها. ووفقاً للتحليل العلمي، تفرض السمنة نمطاً وراثياً دقيقاً يظل عالقاً ومحتفظاً بمكانه داخل هذه الخلايا المناعية حتى بعد زوال الوزن الزائد كلياً. النظام الغذائي يمتد حتى تهدئة الإلتهاب المزمن (Pexels) لا يعود التنظيم المناعي إلى مستواه الطبيعي، ما يترك الجسم أكثر عرضة للالتهابات المزمنة وسهولة استعادة الوزن لأسباب بيولوجية خلوية لا تتّصل إطلاقاً بسلوك الفرد أو خياراته الشخصية اليومية. ما الذي يحدث داخل الخلايا المناعية؟ يُرجع الباحثون هذه الآلية الإستثنائية إلى عمليتين رئيسيتين: الالتهام الذاتي والشيخوخة المناعية الخلوية، إذ تتوقّف الخلايا عن الانقسام وتبدأ بإفراز مرشّحات التهابية ضارة. وتوقّع القائمون على الدراسة العلمية أن تستغرق استعادة المناعة لتعافيها المكتمل مدّة تتراوح بين 5 و10 سنوات، غير أنَّ هذا التقدير يظل افتراضاً نظرياً مستنداً إلى آلية مثبّتة لدى الفئران ولم يُؤكّد بعد بدراسات بشرية طويلة الأمد. معركة جينية ضدّ ذاكرة التهابية (Pexels) تكتسب هذه النتائج أهمية استثنائية بالغة اليوم بالتزامن مع الإقبال الشديد والكبير على أدوية التخسيس الحديثة، إذ توضح أنَّ خسارة الوزن السريعة لا تعني زوال المخاطر الصحية فوراً، بل إنَّ الاستجابة المناعية تتطلّب وقتاً أطول بكثير. هذه الحقائق الطبّية لا تُعد سبباً للإحباط أو التوقّف عن التخسيس، بل هي الدليل الأكثر إقناعاً على أنَّ استعادة الوزن ليست فشلاً في الإرادة، بل هي مواجهة جينية صريحة ضدّ بيولوجيا الجسم تستدعي الالتزام المستمر لمسح هذه الذاكرة الالتهابية.