لطالما كان شهر أيلول منفذا ينتظره أصحاب المكتبات الصغيرة مع بداية كل عام دراسي. ففيه تمتلئ الرفوف بالكتب والدفاتر والقرطاسية، وينتظر أصحابها عودة الأهالي والتلامذة، بعدما شكّل موسم المدارس لسنوات فرصةً أساسية لتعويض أشهر السنة الأقل حركة. ولكن بالنسبة إلى محمد عاصي، صاحب "مكتبة رأس النبع" المستمرة منذ عام 1980، لم يعد أيلول يشبه ذاك الذي عرفه. "هذه السنة تراجعت المبيعات بنسبة 50 إلى 60% مقارنةً بالسنة الماضية"، يقول بعد إحصائه مبيعات مكتبته. ويعزو التراجع إلى عوامل عدة، أبرزها الأوضاع الأمنية وتراجع القدرة الشرائية، إضافةً إلى المدارس التي بات بعضها يبيع الكتب مباشرةً أو يعتمد على مكتبات محددة لتوفيرها للتلامذة. "العودة إلى المدرسة"... ملف خاص من "النهار" على بُعد أيام قليلة من انطلاق العام الدراسي في لبنان، تفتح "النهار" ملفّ "العودة إلى المدرسة" في ظلّ التحديات التي تواجه الطلاب والأهالي والمسؤولين، وسط تداعيات مقلقة للحرب وتفاقم للأزمة الاقتصادية ولا تقتصر المشكلة بالنسبة إلى عاصي على خسارة الزبائن. فالمكتبة تشتري الكتب نقداً من دور النشر، وتتحمل خسارة الكتب التي لا تُباع، فيما تحصل المدارس على حسوم أكبر وتستطيع إعادة الكتب غير المبيعة. ولقد انعكس تراجع المبيعات على عدد العاملين أيضاً، فبعدما كان يعمل في المكتبة ثمانية أشخاص خلال الموسم، أصبح عددهم اليوم ثلاثة فقط، بينهم عاصي. "الإنتاج خفيف، فلا يمكنني تأمين معاشات لأكثر من موظفين، وأنا بالكاد أوفّر الإيجار... عم نشيل مصاريفنا اليومية بس". ورغم أن الشراكة مع مدرسة قد تعني مبيعات إضافية، يرفض عاصي هذا الخيار لأن ضميره حيّ: "لن أحقق ربحي على حساب الأهل والتلاميذ". مشكلة بيع المدارس الكتب أو تعاملها مع مكتبات كبيرة ليست جديدة، إذ لطالما رفعت المكتبات الصغيرة صوتها عبر نقابتها. ومع بداية كل عام دراسي، تعود المشكلة إلى الواجهة: "هل انتهى عصر المكتبة المدرسية الصغيرة؟" مئات المكتبات مهددة بالإقفال تكشف أرقام سابقة حجم التراجع الذي أصاب قطاع المكتبات الصغيرة. ففي عام 2018، قدّرت نقابة أصحاب المكتبات عددها في لبنان بنحو 600، فيما كانت تحذّر في الوقت نفسه من إقفال بعضها أو وقوعه في العجز بسبب منافسة المدارس في بيع الكتب والقرطاسية. وبعد ثلاث سنوات، أوضحت النقابة أن نحو 50 مكتبة كانت تقفل سنوياً، بينما أشار أمين سرها آنذاك جوزف طعمة إلى أن عدد المكتبات المسجلة لديها تراجع من نحو 400 إلى نحو 200 فعّالة. وفي حديث إلى "النهار"، يقدّر طعمة أن النزف مستمر حتى اليوم، موضحا أن "أكثر من نصف المكتبات، وخصوصاً في أطراف العاصمة، أقفلت أبوابها لأنها غير قادرة على دفع أجور العمال والإيجارات، حتى اشتراك النقابة لم تعد قادرة على تسديده". وبينما لا تتوافر إحصاءات رسمية حديثة تحسم عدد المكتبات التي أغلقت فعلياً، تعكس هذه الأرقام والتقديرات حجم الانكماش الذي أصاب قطاعاً يعتمد جزء كبير من دخله على موسم العودة إلى المدارس. لا يبدو أن المشكلة تكمن في غياب النصوص القانونية، بل في مدى تطبيقها. فمنذ عام 2009 أصدرت وزارة الاقتصاد والتجارة بلاغات تنظم بيع الكتب والقرطاسية من جانب المؤسسات التربوية، وتطلب من المدارس الخاصة التي ترغب في ممارسة هذا النشاط التسجيل كمؤسسات تجارية والخضوع للموجبات القانونية والمالية. وعام 2012، شددت الوزارة على نقطة أكثر وضوحاً، إذ طلبت من المدارس تزويد الأهالي لوائح الكتب والقرطاسية من دون إلزامهم شراءها من المدرسة أو من مكتبة أو مؤسسة بعينها. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، ففي عام 2019 أصدرت وزارتا الاقتصاد والتربية قراراً مشتركاً جدّد منع المدارس الخاصة من إلزام الأهالي الشراء منها حصراً، ونصّ على تنظيم جولات تفتيش مشتركة لضبط المخالفات. إلا أن أصحاب المكتبات يقولون إن هذه النصوص لم تمنع استمرار المشكلة. فمنذ أكثر من عقد، تعود الشكوى نفسها إلى الواجهة: مدارس تبيع الكتب داخل حرمها أو تعتمد مكتبات محددة لتأمينها، فيما يجد بعض الأهالي أنفسهم أمام خيار شراء الكتب من الجهة التي تحددها المدرسة. وعام 2018، قدّرت نقابة أصحاب المكتبات أن فاتورة الكتب قد تصل إلى نحو 10% من القسط المدرسي، وأن هامش الربح من بيعها يبلغ نحو 20%، معتبرةً أن هذه السوق تشكل منافسة مباشرة للمكتبات الصغيرة. وهنا تبرز المفارقة. فإذا كانت الدولة قد حددت منذ سنوات شروط بيع المدارس للكتب ومنعت إلزام الأهالي الشراء من جهة محددة، فلمَ لا يزال أصحاب المكتبات يطرحون المشكلة نفسها في بداية كل عام دراسي؟ رغم جهود نقابة أصحاب المكتبات منذ أكثر من عقد، لا تزال المشكلة قائمة، فيما لم تلقَ محاولاتها المتكررة لمعالجتها تجاوباً كافياً من الجهات المعنية. ويشرح نقيب أصحاب المكتبات جوزف طعمة أن النقابة حاولت منذ بداية الصيف