لم يعد الحديث عن تراجع الحضور المسيحي في مؤسسات الدولة مجرد انطباع سياسي أو هواجس طائفية. فالأرقام التي توثقها "لابورا" في دراساتها وتقاريرها تكشف فجوة بات من الصعب تجاهلها، فيما تثير بعض التعيينات الأخيرة علامات استفهام تتجاوز شعار "الكفاءة" وحده. المسألة لا تتعلق بالمطالبة بحصة طائفية لكل وظيفة. فالدستور ربط الوظيفة العامة بالكفاءة، وأبقى المناصفة في وظائف الفئة الأولى وما يعادلها. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح نتائج التوظيف والترقية والنقل متكررة في اتجاه واحد، من دون أن تقدم الدولة أرقاماً واضحة تفسر هذا الخلل. بحسب دراسات "لابورا"، كان المسيحيون يشكلون نحو 42.5 في المئة من موظفي الدولة عام 1990، قبل أن تتراجع النسبة إلى أقل من 26.5 في المئة عام 2008. وفي 2019، بلغت نسبتهم نحو 34.8 في المئة في القطاع المدني و32.5 في المئة في القطاع العسكري. أما أرقام 2024، فتشير إلى أن المسيحيين كانوا يشكلون نحو 31 في المئة من العاملين في الدولة. ففي المؤسسات العسكرية بلغ عددهم 39,610 من أصل 124,827، أي 31.8 في المئة، فيما بلغ في الإدارات المدنية 56,503 من أصل 214,259، أي 27 في المئة. قد تختلف منهجية احتساب هذه الأرقام بين دراسة وأخرى، لكن الاتجاه العام واضح: الحضور المسيحي في الدولة تراجع كثيرا عما كان تاريخياً. والأهم أن المسألة لا تتوقف عند النسبة الإجمالية. في تقريرها الأخير، تعرض "لابورا" حالات تطرح أسئلة جدية. ففي مستشفى بيروت الجامعي التابع لوزارة الصحة، تتحدث عن تعيين 106 أشخاص من دون إعلان أو مباراة عامة، وتقول إن أيّاً منهم لم يكن مسيحياً، رغم وجود طلبات لمسيحيين لدى المديرية العامة. وفي وزارة المال، تشير إلى مرسوم نقل وتعيين لـ54 محاسباً متدرجاً، بينهم ثلاثة مسيحيين فقط، أي 5.6 في المئة. والفارق هنا لافت: إذا كان الحضور المسيحي في مجمل الإدارة المدنية يقارب 27 في المئة، فإن نسبة 5.6 في المئة في مجموعة جديدة من الموظفين تستحق تفسيراً. وفي وزارة الطاقة والمياه، تسجل "لابورا" أن الترقيات المقترحة إلى الفئة الثانية في إحدى المديريات شملت أربعة شيعة وسنيين اثنين ومسيحياً واحداً، إضافة إلى حالات أخرى في مؤسسات وإدارات مختلفة ترى الجمعية أنها تضعف الحضور المسيحي. هنا لا يعود السؤال: هل مِن تراجع؟ بل يصبح: لمَ يحدث هذا التراجع؟ وكيف تُتخذ القرارات؟ لا تثبت المعطيات المنشورة وجود قرار مركزي أو خطة معلنة لإخراج المسيحيين من الدولة. لكن عدم إثبات "الخطة" لا يعني نفي وجود الإجحاف. فعندما تُملأ 106وظائف من دون مباراة أو إعلان، ولا يكون بين المعينين أي مسيحي، وعندما لا تتجاوز حصة المسيحيين 5.6 في المئة في دفعة من 54 محاسباً، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل عن المعايير التي أنتجت هذه النتائج. ومن هنا تصبح الدولة مطالبة بأكثر من القول إن التعيينات تمت وفق الكفاءة. المطلوب نشر أعداد المتقدمين، ونتائج المباريات، وآليات الاختيار، وتوزيع الموظفين بحسب الفئات الوظيفية والطوائف، حتى يمكن تحديد ما إذا كان الخلل ناتجاً من انخفاض عدد المتقدمين المسيحيين، أو الهجرة، أو آليات التوظيف، أو المحاصصة السياسية والطائفية. لا شك في أن الهجرة المسيحية، خصوصاً بين الشباب وأصحاب الاختصاص، تقلص قاعدة المتقدمين إلى الوظائف العامة، كما أن لبنان لم يجرِ إحصاءً رسمياً للسكان منذ عام 1932، ما يجعل الصورة الديموغرافية الحالية غير محسومة رسمياً. لكن استخدام الهجرة لتفسير كل شيء لا يكفي. فعندما تُملأ وظائف خارج مباريات واضحة، يصبح السؤال عن عدالة الوصول إليها مشروعاً، خصوصاً في نظام سياسي تحولت فيه الوظيفة العامة تاريخياً إلى مجال للنفوذ السياسي والطائفي. لذلك، المطلوب ليس إثبات "مؤامرة"، بل كشف البيانات. فالأرقام تثبت أن الحضور المسيحي تراجع، وبعض التعيينات الحديثة تكشف فوارق لا يمكن اعتبارها تفصيلاً. أما تفسير هذا التراجع، فمسؤولية الدولة أن تجيب عنه. وفي بلد يقوم توازنه على الشراكة، لا يجوز أن يصبح تراجع حضور المسيحيين في مؤسسات الدولة أمراً يُلاحظ بالأرقام ولا يُناقش بالسياسات.