يبدو أن تلال علي الطاهر، التي شغلت الاهتمام اللبناني والإقليمي خلال الأشهر الأخيرة، دخلت مرحلة جديدة من الغموض، بعدما كان الاعتقاد السائد أن المنطقة ستكون مسرحاً لمعركة كبرى بين إسرائيل وحزب الله، نظراً إلى موقعها الاستراتيجي وما يُقال عن وجود منشآت وأنفاق عسكرية فيها تعود إلى ما بعد حرب تموز 2006. وتكتسب تلال علي الطاهر أهمية خاصة من موقعها الجغرافي المشرف على مساحة واسعة من الجنوب، وارتباطها، وفق تقارير ومعلومات متداولة، بشبكة من المنشآت والتحصينات والأنفاق التي تمتد باتجاه إقليم التفاح وجبل الرفيع، وصولاً إلى محاور أخرى في جبل الريحان. وتحدثت تقارير خلال السنوات الماضية عن مساهمة خبراء من دول حليفة لإيران في تطوير بعض المنشآت والتحصينات العسكرية، إلا أن حجم هذا الدور وطبيعته لا يزالان في إطار المعلومات التي تحتاج إلى أدلة ميدانية مستقلة. أما المؤكد سياسياً فهو أن طهران لطالما تعاملت مع البنية العسكرية لحزب الله باعتبارها جزءاً أساسياً من منظومة الردع في مواجهة إسرائيل. ومن هنا، كان لافتاً ما نُسب إلى رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف من حديث عن التواصل مع مقاتلين في المنطقة، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول مستوى الدور الإيراني المباشر، وحدود الفصل بين القرار الإيراني والقرار الميداني لحزب الله. لكن المفاجأة جاءت مع الإعلان الإسرائيلي عن السيطرة العملياتية على مرتفعات علي الطاهر، فوق الأرض وتحتها، وما رافق ذلك من حديث عن انتهاء العمليات الأساسية في المنطقة. فهل يعني هذا الإعلان فعلاً أن المعركة انتهت، وأن إسرائيل تمكنت من الوصول إلى المنشآت التي كانت تبحث عنها؟ أم أن ما جرى لا يتجاوز السيطرة على المرتفعات والمواقع الظاهرة، فيما لا تزال منشآت أخرى تحت الأرض أو في محيط المنطقة خارج نطاق الكشف؟ السؤال يصبح أكثر أهمية مع استمرار الحديث الإسرائيلي عن تفجير أنفاق ومنشآت تحت علي الطاهر. فإذا كانت المنطقة قد سقطت بالكامل، فلماذا تستمر عمليات التدمير؟ ولماذا تحتاج إسرائيل إلى مرحلة إضافية من التفجير والاستهداف؟ هنا تبرز فرضية أخرى: ربما لا يتعلق الأمر بمعركة واحدة انتهت، بل بعملية عسكرية متدرجة تهدف إلى تفكيك منظومة جغرافية وعسكرية متكاملة. فبعد علي الطاهر، تأتي مناطق عربصاليم والنبطية، ثم إقليم التفاح وجبل الرفيع، وصولاً إلى جبل الريحان، إذا قررت إسرائيل توسيع نطاق عملياتها. وهذا المسار، إذا صح، يعني أن الهدف الإسرائيلي قد لا يكون احتلال كل هذه المناطق، بل فرض واقع أمني وعسكري جديد يمنع إعادة بناء البنية التحتية العسكرية لحزب الله، ويؤمّن عمقاً عملياتياً داخل الجنوب. لكن ما يثير الاستغراب أكثر هو الصمت السياسي والإعلامي لحزب الله إزاء ما يجري. فمنذ الإعلان الإسرائيلي عن السيطرة على علي الطاهر، لم يصدر موقف تفصيلي يشرح حقيقة الوضع الميداني أو ينفي أو يؤكد ما أعلنته إسرائيل بشأن المنشآت والأنفاق. وهنا تبرز أسئلة أكبر من حدود علي الطاهر نفسها: هل يعكس الصمت قراراً ميدانياً بتجنب الدخول في مواجهة واسعة؟ هل هناك حسابات تتعلق بمفاوضات أو تسوية سياسية أكبر؟ أم أن ما يجري جزء من ترتيبات إقليمية لا تزال غير معلنة؟ وقد ظهرت فرضيات تتحدث عن تفاهمات أميركية ـ إيرانية ـ إسرائيلية، وعن احتمال إعادة تموضع عناصر مرتبطة بالحرس الثوري أو حلفاء إيران من علي الطاهر باتجاه مناطق أخرى، مقابل تجنب معركة واسعة. لكن لا توجد حتى الآن أدلة علنية كافية تسمح بتحويل هذه الفرضيات إلى حقيقة سياسية مؤكدة. كما أن الحديث عن تسليم المرتفعات للجيش اللبناني مقابل وقف إسرائيل استهدافها، يبقى مرتبطاً بمسار سياسي وأمني أوسع، ولا يمكن فصله عن النقاش حول مستقبل الانتشار العسكري في الجنوب وترتيبات المرحلة المقبلة. ولا يمكن، في المقابل، فصل ما يجري في الجنوب عن الحسابات السياسية الإسرائيلية الداخلية. فبنيامين نتنياهو يستطيع توظيف السيطرة على مرتفعات علي الطاهر، وما يرافقها من عمليات عسكرية وتدمير للمنشآت، في تقديم صورة عن إنجاز أمني وعسكري أمام الرأي العام الإسرائيلي، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات المقررة في السابع والعشرين من تشرين الأول. ومن هذه الزاوية، لا يبدو مستبعداً أن يبقى الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة أمام مزيد من التصعيد خلال المرحلة المقبلة، إذا وجد نتنياهو أن استمرار العمليات العسكرية يخدم أهدافه السياسية والأمنية، سواء عبر تكريس واقع أمني جديد على الحدود أو عبر تقديم نفسه للناخب الإسرائيلي باعتباره قادراً على فرض ما تسميه إسرائيل "الأمن" في مواجهة حزب الله. لكن السؤال الأهم يبقى: هل يستطيع نتنياهو تحويل السيطرة على علي الطاهر إلى إنجاز سياسي مستدام، أم أن استمرار العمليات وتوسعها سيضع إسرائيل أمام كلفة عسكرية وسياسية متزايدة؟ فهل سقطت علي الط