منذ مجموعته الأولى "أبدأ من رقم يمشي" (1978)، يكتب حمزة عبود قصيدته من منطقة يصعب اختزالها في عنوان واحد. الشاعر الذي ارتبط اسمه، في مرحلة ما، بما سُمّي "شعراء الجنوب"، لا يرى أن الجنوب كان قضيةً شكّلت تجربته الشعرية، بقدر ما بقيت في قصيدته أصداء المكان الأول، والقرية، وصيدا، وبيروت، والعلاقات التي صنعت وعي جيله. في هذا الحوار مع "المدن"، نتوقف معه عند علاقته بالجنوب، وبيروت الثقافية، والذاكرة، واليومي، قبل أن نصل إلى سؤال الشعر نفسه وما تفعله القصيدة حين تواجه اللغة والمعنى المتداولين، ثم إطلالة على ديوانه الجديد "منذ لا أعرفُ"(دار النهضة العربية)... معودُ معكَ إلى تجربة شعراء الجنوب، أتشعر أن تصنيفك شاعراً جنوبياً يضيف إلى تجربتك أم يقيّدها؟ لا أعتقد أن تصنيفي شاعراً جنوبياً يضيف الكثير إلى تجربتي الشعرية، لكنه بالتأكيد لا يقيّدها. أظن أن اسمي أُقحم، في مرحلة ما، بين الشعراء الذين أُطلقت عليهم تسمية "شعراء الجنوب". هذه التسمية جاءت أولاً لأن معظم هؤلاء الشعراء ينتمون إلى قرى جنوبية، ولأن الجنوب كان إحدى القضايا الكبرى في الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية، فأخذ مساحة واضحة في تجارب عدد من الشعراء، وظهر في قصائدهم الأولى، خصوصاً عند شوقي بزيع، ومحمد علي شمس الدين، ومحمد العبد الله، ومحمد شمس الدين، وحتى عباس بيضون في قصيدة "يا علي"، مع أنه لا ينتمي، بالمعنى الدقيق، إلى هذه المجموعة. لا أقلل من أهمية تجربة أصدقائي الذين سُمّوا شعراء الجنوب، لكنني لا أعتقد أنني شاعر جنوبي بهذا المعنى. كانت هناك، بالتأكيد، إيحاءات ومناخات جنوبية في شعري: مناخ القرية، والبحر، وبعض المشاهد والعلاقات. لكن الجنوب لم يكن، في تجربتي، قضيةً شكّلت الشعر. أظن أن اختزال هؤلاء الشعراء في صفة "شعراء الجنوب" قد يقلل أحياناً من أهميتهم بوصفهم شعراء. قضيتهم في النهاية هي قضية الشعر، وعلاقته بكل زمان ومكان، وبكل البشر والبيئات الثقافية والاجتماعية. لكن ما الذي بقيَ من جبل عامل في شعركَ أنت؟ أنا صحيح من قرية عاملية، لكن قريتي كانت بعيدة إلى حد ما عن البيئة التي كانت تُعرف بالبيئة العاملية. كانت أقرب إلى قرى قضاء الزهراني، وإلى صيدا، بينما كان الثقل الأساسي لما سُمّي الأدب العاملي موجوداً في بنت جبيل ومرجعيون والنبطية وصور ومحيطها. لذلك لا المكان ولا اللّغة العامليّة، بالمعنى الثقافي والتاريخي، موجودان في شعري على نحو واضح. حتى شعراء جبل عامل قرأتهم في فترة متأخرة. قرأت عبد الحسين عبد الله، وموسى الزين شرارة والحوماني وغيرهم. كان لي صديق في صيدا، خالد لطفي، يحفظ الكثير من شعر هؤلاء. كان بيته محطة لشعراء جبل عامل حين يترددون إلى صيدا، وكان يحفظ شعر موسى الزين شرارة، وعبد الحسين عبد الله، والحوماني. وقد قرأت الحوماني أكثر من مرة، وأعتبره شاعراً متميزاً ومن أبرز شعراء عصر النهضة. وأرى أن شعر جبل عامل لم يأخذ حقه في الدراسات النقدية والجامعات. ربما كان ابتعاده النسبي عن بيروت، بوصفها مركز الإعلام والمؤسسات الثقافية، أحد أسباب ذلك. فؤاد إفرام البستاني لفت إلى النهضة الثقافية في جبل عامل، ومع ذلك لم تُقرأ كما ينبغي بوصفها جزءاً من النهضة الثقافية والفكرية التي كانت تنشأ بالتوازي في مصر ولبنان وسوريا. ماذا عن ذاكرة حمزة عبود الجنوبيّة، حدِّثنا عنها وعن مصادرها؟ لا أظن أننا نستطيع أن نمحو ذاكرة الحرب من حياتنا اليومية. كنا دائماً نخشى طغيانها على حياتنا، ونحاول مقاومة مظاهر قسوتها وعنفها. أصلاً، العصبيات التي ظهرت في الحرب لا تتفق، في رأيي، مع الثقافة التي اكتسبناها من حوارات ما قبل الحرب. كانت تلك الحوارات تخوض، بشكل أو بآخر، حرباً قبل إعلانها، منذ 1973 أو 1974، لكنها لم تكن حرب العصبيات والأشكال التي اتخذتها لاحقاً. لكن ما الذي كنتُم تقولونه في قصائدكم؟ ماذا أردتم؟ في شعرنا كنا نحاول النظر إلى الحرب من دون أن نكون طرفاً فيها. كنا نتحدث عن قسوتها، وعن مقدار ما غيّرته في العالم الذي كنا نريده. تخطر لي وأنا أحدِّثكَ الآن، قصيدتي "الدخول إلى الخارطة الثانية" بجزأيها، وهي من ديواني الأول. الحرب كانت موجودة في شعري، ولا أحد يستطيع تفاديها، لأنها دخلت بيوتنا ونمط العلاقات في البلد وتركت تأثيراتها. لكنها لم تتحول إلى قضية طاغية. ما بقي في شعري أكثر هو الحياة اليومية، ونمط العلاقات، والوجدان الجنوبي، وأجواء قريتي وصيدا وبيروت التي كانت سائدة قبل الحرب. لقد ربطنا الجنوب بالحرب أكثر مما ينبغي، وتجاوزنا أحياناً جنوب العلاقات ونمط الحياة والوجدان والحياة الثقافية. الحرب تركت ظلالاً في شعرنا، لكنني أراها ظلالاً شاحبة، ليست معتمة. ثمة شعراء خرجوا من الجنوب لكنهم كتبوا المدينة، وأنت تبدو أقرب إلى الاحتفاظ بنبرة المكان الأول، أتوافق؟ لا أعرف إذا كانت لغتي أقرب فعلاً