يعود بحر قزوين إلى الواجهة كنقطة توتر جيوسياسي، وهو من أكثر المناطق المتنازع عليها على المستويين القانوني والسياسي والغنية بالموارد والثروات الطبيعية. ويمثّل هذا البحر، ومساحته 371 ألف كيلومتر مربع، نقطة التقاء حيوية بين قارتي آسيا وأوروبا، وتشاطئه خمس دول من بينها روسيا وإيران. ولا تنحصر أهميته الجيوسياسية في كونه خزاناً ضخماً للثروات النفطية والغازية والسمكية، أو ممراً ملاحياً حيوياً يربط روسيا عبر نهر الفولغا بالأسواق الإقليمية والدولية المتشابكة مع البحر الأسود وبحر البلطيق فحسب، بل تمتد إلى الأمن الاستراتيجي، خصوصاً بالنسبة لموسكو وطهران اللتين تعتبرانه منطقة نفوذ أمني واقتصادي مغلقة. وقد تزايدت الأهمية الاستراتيجية لهذا البحر بالنسبة لهما بعد تشدّد العقوبات الغربية على كل منهما، وهو ما تعمّق مجدداً في أعقاب حزمة العقوبات الأميركية الأخيرة التي استهدفت خطوط الإمداد والشركات المشغلة للموانئ، مما جعل من هذا البحر الملاذ الأخير والوحيد تقريباً للإفلات من الرقابة اللوجستية الدولية. وقد تكشفت ثلاثة تطورات رئيسية مؤخراً بالنسبة لإيران فيما يتعلق ببحر قزوين: احتمال تحوله إلى بؤرة توتر أمني جديدة في أعقاب هجوم أوكراني بالطائرات المسيّرة على سفينة إيرانية أسفر عن مقتل بحّار إيراني وإصابة آخرين، وتحرك سياسي داخلي عبر مشروع قانون قدمته إدارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى البرلمان للتصديق على معاهدة الوضع القانوني لبحر قزوين (اتفاقية أكتاو) التي وُقِّعَت في 12 آب 2018 بين الدول الخمس المطلّة على البحر (إيران وروسيا وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان) لتنظيم الملاحة والصيد ولحظر وجود أي قوات عسكرية أجنبية فيه، ومخاوف بيئية من انخفاض منسوب المياه، حيث أفادت رئيسة دائرة البيئة الإيرانية شينا أنصاري في كلمة ألقتها بمناسبة اليوم الوطني لبحر قزوين الموافق 12 آب 2026 بأن مستوى مياه البحر قد انخفض بنحو 2 إلى 2.5 متر خلال العقد الماضي، وهذا ما أكَّده، بعد يومين، رئيس دائرة حماية البيئة في محافظة مازندران، محمد رضا كنعاني، إذ قال إن بحر قزوين يسجّل اليوم أدنى مستوى له منذ قرنين، مع ما يصاحبه من تهديدات بيئية أخرى تتعلّق بتزايد التلوث، وتقلص مخزون الأسماك، وتدمير المناطق الشاطئية. وتستعد طهران لاستضافة قمة دول بحر قزوين الخمس في 23 أيلول الجاري، وفقاً لنائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، الذي شدَّد على محورية بحر قزوين في حماية الأمن الإقليمي، في سياق تنديده بالهجوم الأوكراني ومطالبته الدول الخمس المطلة على البحر باتخاذ موقف ضد التحركات الإسرائيلية والأوكرانية في المنطقة. وتكتسب قمة طهران المرتقبة زخماً استثنائياً، إذ لن تقتصر النقاشات على الرد على الهجمات الأوكرانية والتحركات الإسرائيلية فحسب، بل ستشكل منصة لبحث آليات الالتفاف المشترك على العقوبات الأميركية الجديدة. تأتي هذه القمة بعد سنة و5 أشهر من استئناف إيران لعمليات التنقيب في قطاع المياه الضحلة في المكمن النفطي "رودسار"، بعد انقطاع طويل منذ عام 1997. وبعد أن وصلت حمولات النفط التابعة لشركة خط أنابيب بحر قزوين (CPC) إلى مستوى قياسي بلغ 1.83 مليون برميل يومياً في أيار 2026، بسبب زيادة الإنتاج في حقل تنغيز النفطي في كازاخستان، قبل أن تنخفض هذه الحمولات بسبب توقف عمليات التحميل بشكل متكرّر في شهري تموز الماضي وآب الجاري جراء الهجمات الأوكرانية على ميناء نوفوروسيسك الروسي في البحر الأسود، حيث يُصدَّر النفط الخام الكازاخستاني من حقل تنغيز عبر الناقلات عبر خط أنابيب CPC. وينقل هذا الخط نحو 2% من إجمالي الإمدادات النفطية العالمية و3% من إمدادات الغاز الطبيعي العالمية، فيما يمثل نحو 80% من صادرات النفط الكازاخستانية. وقد أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى انخفاض مخزونات النفط العالمية المرصودة بمقدار 69 مليون برميل في تموز، وعزت الوكالة معظم هذا الانخفاض إلى تراجع كميات النفط في المياه عقب تجدد اضطرابات التصدير في الخليج العربي وبحر قزوين. فيما أفادت وكالة "رويترز" نقلاً عن مصادر مطلعة بأنّ هجمات البحر الأسود أدت إلى تعطيل خُمس شحنات النفط التابعة لـ CPC. وتأتي القمة أيضاً بعد توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية لمدة 20 عاماً بين روسيا وإيران، في كانون الثاني 2025، ليتحول بحر قزوين إلى خط إمداد عسكري ولوجستي آمن بين البلدين، بما يساعد على تجاوز العقوبات الغربية. ويشمل ذلك الاعتماد على العملات الوطنية في عمليات التبادل التجاري، وبناء بنية تحتية مالية مستقلة عن النظام الغربي، وربط المناطق الاقتصادية الحرة بين الجانبين وتأسيس مشاريع صناعية مشتركة. وتأتي العقوبات الأميركية الأخيرة لتختبر كفاءة هذه البنية التحتية المالية، حيث تسعى واشنطن عبر تدابيرها الجديدة إلى تجفيف منابع تمويل السفن والشركات