عدنان ضاهر - الأمين العام لمجلس النواب "وأحارُ من أيِّ الجوانبِ أرتقيلأطالَ بعضَ شوامخِ البنيانِلا يُسألُ الريحانُ عن كبِّ الشذاكبُّ الشذا بشمائلِ الريحانِ(*)تمرّ سنة على غياب الأخ والصديق حسن الرفاعي، ولا أشعر أن عاماً مضى على رحيله، لأن بعض الرجال يغادر المكان ولا يغادر الذاكرة، ويصمت صوته، لكن تبقى كلمته حاضرة كلما احتاج الوطن إلى كلمة حق.عرفتُ معالي الوزير حسن الرفاعي إبنَ بعلبك قبل أن أعرفه رجلَ دولة، وجمعتنا تلك الأرض التي علّمت أبناءها أن الكرامة ليست موقفاً عابراً، بل سيرة حياة. ومن بعلبك حمل الرفاعي إلى بيروت صلابة المكان ووضوحه، ودخل الحياة العامة وفي وجدانه شيء من هيبة تلك المدينة واعتداد أهلها بأنفسهم.كان ابن بعلبك، نعم، وكان شديد الاعتزاز بانتمائه إليها، لكن قلبه لم يعرف حدود المناطق. وكان للجنوب في وجدانه مكان خاص، يتابع أهله وهمومه، ويتألم لألمه، ويحمل قضاياه كما يحمل المرء قضية بيته وأهله. وكأن في شخصيته امتداداً بين بعلبك والجنوب، بين أرضين عرفتا معنى الصبر والكرامة والتضحية، فكان ابن مدينته بالولادة والانتماء، ولبنانياً في قلبه الذي اتّسع للجنوب ولكل لبنان.ثم عرفته عن قرب، وعرفت فيه ما هو أبعد من السياسي والنائب والوزير والفقيه الدستوري. عرفت رجلاً كانت الدولة بالنسبة إليه فكرة أخلاقية قبل أن تكون مؤسسات، وكان الدستور عنده ميثاقاً لحماية الجمهورية، لا نصاً يُستدعى عند الحاجة ويُهمل عند اختلاف المصالح.وعلى امتداد عملي في مجلس النواب، كنت أعود إليه في مسائل دستورية وتشريعية دقيقة، أسأله مباشرة حيناً، وأعود إلى آرائه ومواقفه واجتهاداته حيناً آخر. ولم تكن قيمة رأيه في علمه الواسع وحده، بل في استقلاله. كان يقول ما يراه دستورياً، لا ما يرغب الآخرون في سماعه، ولا ما تقتضيه موازين السياسة في لحظتها.لكن علاقتي بحسن لم تكن علاقة نصوص ودساتير وحدها. ثمة لحظات تبقى بين الأصدقاء عصيّة على النسيان، لأنها تختصر في دقائق ما لا تستطيع سنوات طوال أن تقوله عن المودّة والوفاء.قبل محاولة اغتياله في بعلبك بيومين فقط، كنت في منزله هناك. جلسنا كعادتنا، نتحدث في ذلك الأنس الذي تصنعه الصحبة حين تطول، وكان بين الحاضرين رجل لم أكن أعلم يومها أن صورته ستعود إليّ بعد ثمانٍ وأربعين ساعة محمّلةً بكل ذلك الوجع. كان هو نفسه الذي عُرف لاحقاً بأنه منفّذ محاولة الاغتيال. بدا وجوده، في ضوء ما حدث بعد ذلك، كأنه كان يستطلع المكان والرجل والحركة من حوله.لم يكن في تلك اللحظة ما ينبئ بما تخبئه الأيام. كان حسن أمامي كما عرفته دائماً، مطمئناً في بيته، يستقبل من يدخل إليه بألفة ابن المدينة التي يعرف أهلها ويعرفونه. وغادرتُ منزله ولم يخطر في بالي أن الرجل الذي كان بيننا سيعود بعد يومين حاملاً الموت إلى المكان نفسه، وأن جلسة عادية بين أصدقاء ستتحول في الذاكرة إلى مشهد لا يمحوه الزمن.وحين وقع الخبر، عادت إليّ تفاصيل ذلك اللقاء دفعة واحدة: الوجوه، والكلمات، والمجلس، والرجل الذي كان بيننا. وثمة لحظات لا يؤلم الإنسان فيها ما حدث وحده، بل يؤلمه أيضاً أنه كان قريباً إلى هذا الحد من الخطر من دون أن يراه، أن يكون الموت قد مرّ من أمام عينيه متخفياً في هيئة عابر، ثم عاد بعد يومين ليطرق باب صديق عزيز.ثم وقعت محاولة الاغتيال.ونُقل حسن الرفاعي للعلاج إلى مستشفى في سوريا. لم أستطع أن أكتفي بالسؤال عنه من بعيد، فذهبت إلى سوريا لأطمئن إليه بنفسي. لم تكن الطريق يومها مجرد مسافة بين بلدين، كانت مسافةً طويلة من القلق. كنت أذهب إلى صديق فارقته قبل أيام واقفاً في بيته، ولا أعرف كيف سأراه حين أدخل عليه هذه المرة.دخلت غرفته في المستشفى، فرأيته مثخناً بما أصابه، لكن حسن الذي أعرفه كان لا يزال هناك: في العينين، وفي الكبرياء، وفي تلك القدرة العجيبة على أن ينتزع من الألم معنى يتجاوز الألم. وما إن رآني حتى سبقني إلى الكلام، كأنه هو الذي أراد أن يطمئنني، وقال لي بلهجته التي ما زالت ترنّ في أذني حتى اليوم:"»ألم أقل لك أن "جدّي الحسين"؟ توقفت أمام كلماته، ولم تكن تلك لحظةً تحتاج إلى كثير من الكلام.كان يشير إلى ما كان يعتز به آل الرفاعي من انتسابهم إلى السادة من ذرية الإمام الحسين. لكنه، وهو يقولها على سرير المستشفى بعد أن نجا من الموت، منح العبارة معنىً أبعد من النسب. كأنما كان يستحضر الحسين رمزاً للصبر والثبات في وجه المحنة، ويقول لي، بطريقته التي أعرفها: أصابوا الجسد، أما الإرادة فلم يصيبوها.وما زلت، كلما استعدت ذلك المشهد، أشعر أنني لا أذكر العبارة وحدها، بل أسمع صوته وهو يقولها. أرى سرير المستشفى، وأرى صديقي الذي جئت خائفاً عليه فإذا به يستقبلني بكبريائه، ويحاول، وهو الجريح، أن يخفف عن زائره وطأة الجرح.ربما لهذا يبقى بعض الكلمات معنا إلى آخر العمر. ليس لفصاحتها، ولا لأنها قيلت في