تضاعف إيران اعتباراً من غد الثلاثاء سعر البنزين الحر للشريحة الثالثة من 5 آلاف تومان للتر (نحو 0.022 دولار) إلى 10 آلاف تومان (نحو 0.044 دولار)، في محاولة لخفض الاستهلاك واحتواء عجز يومي يقدَّر بنحو 14 إلى 15 مليون لتر. ويأتي القرار وسط ضغوط اقتصادية حادة وتراجع في قيمة العملة، فيما تثير أي زيادة في أسعار الوقود مخاوف من موجة تضخمية جديدة وتعيد إلى الأذهان احتجاجات البنزين الدامية عام 2019. وشغلت السيناريوات المحتملة لأسعار البنزين الرأي العام الإيراني خلال الأسابيع الماضية، بعدما اتسعت الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك وتضررت قدرة البلاد على تعويض النقص بالاستيراد في ظل الحرب والحصار البحري الأميركي. وأدت المخاوف من زيادة أكبر إلى ازدحام وطوابير أمام محطات وقود في طهران ومدن أخرى. وحسمت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني الجدل بإعلان رفع سعر الشريحة الثالثة بنسبة 100 في المئة إلى 10 آلاف تومان للتر (نحو 0.044 دولار). ويستهدف القرار بصورة أساسية أصحاب الاستهلاك المرتفع، مع إبقاء الحصص المدعومة من دون تغيير. يحتفظ أصحاب السيارات بحصة شهرية تبلغ 60 لتراً بسعر 1500 تومان للتر (نحو 0.007 دولار)، تليها 50 لتراً بسعر 3 آلاف تومان (نحو 0.013 دولار). ويبدأ السعر الجديد بعد استهلاك 110 لترات شهرياً. وتقول الحكومة إن غالبية السيارات لن تصل إلى الشريحة الثالثة، وإن نحو 75 في المئة من أصل قرابة 24 مليون سيارة في البلاد ستبقى ضمن الحصص الحالية، فيما قد تحتاج نحو 6 ملايين سيارة إلى شراء البنزين بالسعر الجديد. وأثار إعلان القرار اندفاعاً إلى محطات الوقود للاستفادة من السعر السابق قبل دخول الزيادة حيز التنفيذ، لكن التأثير الأهم سيظهر مع انعكاس تكلفة الوقود على القطاعات التي تعتمد على الاستهلاك المرتفع، وفي مقدمها النقل. وكان سائقو سيارات الأجرة والعاملون عبر منصتي "سناب" و"تابسي" بين أكثر الفئات قلقاً. فكثرة الرحلات تجعلهم أكثر عرضة لتجاوز سقف 110 لترات، ما يرفع تكلفة التشغيل ويضغط على هامش دخلهم. وأعلن مسؤولو وزارة النفط تخصيص حصص إضافية من البنزين المدعوم لسيارات الأجرة، إلى جانب توسيع إمكان تحويلها إلى العمل بالغاز الطبيعي المضغوط، سعياً إلى الحد من تأثير القرار على أجور النقل. ويعتمد ملايين الإيرانيين على استخدام سياراتهم الخاصة في نقل الركاب لتأمين دخل أساسي أو إضافي، في ظل ضعف الأجور ونقص فرص العمل. ولذلك لا ترتبط مخاوف هذه الفئة بسعر الوقود وحده، إذ تتزامن الزيادة مع ارتفاع أكلاف الصيانة وقطع الغيار والإطارات وزيوت المحركات. ورأت وكالة "ركنا" أن السيارة تحولت لدى عدد كبير من الأسر إلى وسيلة لتعويض تراجع الدخل ومواجهة البطالة، وأن ارتفاع نفقات التشغيل قد يدفع السائقين إلى زيادة ساعات العمل أو رفع أجور الرحلات في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية للركاب. جدل بشأن الدعم والقوة الشرائية وأعاد القرار النقاش القديم حيال حجم الدعم الحكومي للبنزين، إذ يرى مؤيدو زيادة الأسعار أن إيران لا تزال تبيع الوقود بأحد أدنى الأسعار عالمياً، فيما يرفض منتقدوهم مقارنة السعر بالدول الأخرى من دون احتساب مستويات الدخل والقوة الشرائية. وانتقدت قناة "آينده" على "تليغرام" المقارنة مع الولايات المتحدة، معتبرة أن انخفاض السعر الاسمي للبنزين في إيران لا يعكس العبء الحقيقي على المواطن عندما يكون متوسط الأجور أدنى بكثير. وتداول مستخدمون مقارنات مماثلة تشير إلى أن تعبئة خزان سعة 40 لتراً بالسعر الجديد ستكلف نحو 400 ألف تومان (نحو 1.76 دولار)، في مقابل عشرات الدولارات في الولايات المتحدة، لكن الفارق الكبير في الدخل يجعل المقارنة الاسمية بين السعرين محدودة الدلالة اقتصادياً. وفي المقابل، يرى مؤيدو تحرير أسعار الطاقة أن النظام الحالي يمنح القسم الأكبر من الدعم لمن يملكون السيارات ويستهلكون كميات أكبر من الوقود، ما يحرم شرائح واسعة لا تمتلك سيارات من الاستفادة منه. وكان إسماعيل سقاب أصفهاني، المسؤول عن ملف تحسين استهلاك الطاقة، قد طرح خلال الأشهر الماضية تصوراً أكثر جذرية يقوم على الاقتراب تدريجاً من السعر الحقيقي للبنزين، مع تحويل الدعم المالي مباشرة إلى المواطنين بصرف النظر عن امتلاكهم سيارة. وأثار هذا الطرح اعتراضات واسعة بعدما جرى تداول أرقام تصل إلى نحو 80 ألف تومان للتر (نحو 0.35 دولار) في حال تحرير السعر بالكامل، في ظل مخاوف من التداعيات التضخمية والاجتماعية لمثل هذه القفزة. ودافع صحافيون مؤيدون للمشروع عن الفكرة انطلاقاً من أن السعر الحالي يبقى أدنى بكثير من تكلفة إنتاج البنزين واستيراده. وذهب بعضهم إلى أن بيع اللتر بـ10 آلاف تومان (نحو 0.044 دولار) يبقي الدعم الحكومي مرتفعاً، ويصب في مصلحة أصحاب السيارات أكثر من بقية المواطنين. لكن الرئيس مسعود بزشكي