حذر روشير شارما (Ruchir Sharma)، الكاتب ورئيس مجلس إدارة مؤسسة روكفلر الدولية، في تقرير نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز"، من أن تصاعد الدين العام الأميركي بدأ يتحول من مصدر قلق نظري إلى عامل مؤثر فعلياً في الأسواق العالمية، معتبراً أن ارتفاع تكاليف الاقتراض قد يشكل تهديداً متزايداً لطفرة الذكاء الاصطناعي التي تقود موجة النمو الحالية. وعلى مدى عقود، بدت التحذيرات من تصاعد الدين العام الأميركي وكأنها نبوءات لا تتحقق. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، عندما بدأت الحكومة الأميركية تسجيل عجز مزمن في الموازنة، تكررت التحذيرات بشأن المخاطر التي قد تواجه أكبر اقتصاد في العالم. وفي أواخر الثمانينيات، دفع القلق المتزايد أحد مطوري العقارات في نيويورك إلى وضع "ساعة الدين الوطني" الشهيرة في ساحة تايمز سكوير لتذكير الأميركيين بحجم الالتزامات المتراكمة على بلادهم. لكن هذه التحذيرات لم تؤدِ إلى أزمة كبرى، ما جعلها مع مرور الوقت أشبه بـ"صيحة الراعي الكاذب" التي اعتاد الجميع تجاهلها. غير أن المشهد اليوم يبدو مختلفاً، إذ بدأت تبعات الديون المتضخمة تظهر بوضوح، وكان آخر تجلياتها موجة البيع التي شهدتها أسواق السندات الحكومية حول العالم الشهر الماضي، بحسب روشير شارما. ويرى مراقبون أن أولى النتائج الملموسة لهذا الوضع قد تتمثل في ارتفاع تكاليف الاقتراض على السندات الأميركية بما يهدد بإبطاء طفرة الذكاء الاصطناعي التي تقود حالياً موجة التفاؤل في الأسواق. عند العودة إلى التاريخ المالي الممتد لثلاثة قرون، يتضح أن معظم الفقاعات الاقتصادية الكبرى انتهت عندما ارتفعت تكاليف الاقتراض بشكل كبير على الشركات التي كانت تقف في قلب تلك الطفرات الاستثمارية. وقد حدث ذلك في موجات انهيار شركات السكك الحديدية خلال القرن التاسع عشر، كما تكرر في القرن العشرين خلال عهد البنوك المركزية الحديثة، حيث انفجرت الفقاعات الكبرى بعد رفع أسعار الفائدة بشكل حاد. لكن الدورة الحالية تختلف في نقطة جوهرية. ففي العادة، تكون الشركات هي الطرف الذي يراكم الديون خلال فترات الحماس الاستثماري، ما يؤدي إلى ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة، قبل أن تنفجر الفقاعة في نهاية المطاف. بعدها تتدخل الحكومات لاحتواء التداعيات عبر زيادة الإنفاق والاقتراض لتحفيز الاقتصاد. أما في العقود الأخيرة، فقد تحولت الحكومات نفسها إلى محرك دائم للتحفيز الاقتصادي، حتى خلال فترات الازدهار، ما أدى إلى تراكم الديون بوتيرة متسارعة منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008. خلال السنوات الأخيرة، سجلت الولايات المتحدة عجزاً سنوياً في الموازنة يعادل نحو 6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يزيد بأكثر من الضعف عن متوسط العقود السابقة. وفي المقابل، ظلت الأسر والشركات الأميركية متحفظة نسبياً في الاقتراض لفترة طويلة. ولم يبدأ عمالقة التكنولوجيا في زيادة مديونيتهم بشكل ملحوظ إلا خلال العام الماضي، مع تسارع الإنفاق على بناء البنية التحتية الضخمة اللازمة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، في وقت بدأت فيه فوائضهم النقدية بالتراجع. ورغم ذلك، تبقى مستويات الدين لدى هذه الشركات ضمن حدود يمكن إدارتها مقارنة بأحجامها الضخمة. أما الجزء الأكبر من فائض الاقتراض في الدورة الحالية فقد تراكم في دفاتر الحكومة الأميركية نفسها. أحد أبرز المؤشرات المثيرة للقلق يتمثل في تكلفة خدمة الدين العام. فخلال السنوات الخمس الماضية، تضاعفت مدفوعات فوائد الدين الحكومي الأميركي أكثر من مرتين لتتجاوز 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى مسجل في تاريخ الولايات المتحدة، وأكبر زيادة تشهدها أي دولة متقدمة رئيسية خلال الفترة نفسها. وقد ساهمت المخاوف المتزايدة بشأن الأوضاع المالية الحكومية، إلى جانب عوامل أخرى مثل ارتفاع أسعار الطاقة، في دفع عوائد السندات الحكومية للصعود عالمياً. وبالتوازي، انعكس هذا الارتفاع على تكلفة التمويل بالنسبة لشركات الذكاء الاصطناعي، التي تمثل اليوم الحصة الأكبر من إصدارات الديون الجديدة للشركات. يرى الكاتب أن طفرة الذكاء الاصطناعي تحمل العديد من السمات التي ميزت الفقاعات الاستثمارية السابقة، لكنها قد تستمر في التوسع ما لم تصل أسعار الفائدة إلى مستويات تعيق التمويل. وبحسب تقديراته، فإن المؤشر الأهم الذي تجب مراقبته هو عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات، والذي يمثل المعيار العالمي لتكاليف الاقتراض طويلة الأجل، ويبلغ حالياً نحو 4.8 بالمئة. ويعتقد أن تجاوز هذا العائد مستوى 5 بالمئة بشكل واضح ومستدام قد يشكل نقطة تحول تؤدي إلى انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي، باعتبار أن هذا المستوى يمثل الحد الأعلى للنطاق الذي تحركت ضمنه العوائد منذ حقبة فقاعة شركات الإنترنت في مطلع الألفية. وسيكون ذلك مؤشراً على بداية مرحلة جديدة من التشد