في أي نظام سياسي، تُشكّل الأحزاب رافعة أساسية لتنظيم التمثيل الشعبي، وصوغ البرامج، وتداول السلطة، ومساءلة الحكم. لكن التجربة اللبنانية تكشف وجهاً أكثر تعقيداً: فالأحزاب لم تكن دائماً أدوات تنافس ديموقراطي بقدر ما تحوّلت، في محطات عديدة، إلى قنوات نفوذ ومصالح، وأحياناً إلى منصّات لمشاريع خارجية تتقاطع مع الانقسام الداخلي وتغذّيه. يضاف إلى ذلك أنّ البنية الحزبية في لبنان ارتبطت تاريخياً بالهوية الطائفية، إذ تمثّل معظم الأحزاب شريحة مذهبية أو جماعة أهلية، فيما حافظت أحزاب أخرى على طابع علماني أو عابر للطوائف، بدرجات متفاوتة من النجاح. وفي السنوات الأخيرة، برزت محاولات لتأسيس أحزاب جديدة تحمل خطاباً إصلاحياً أو مدنياً، لكنها لم تتمكّن بعد من فرض نفسها شعبياً وسياسياً على نحو مستقر. من هنا تأتي هذه السلسلة: قراءة موضوعية للأحزاب اللبنانية في تاريخها وحاضرها، والتعرّف إلى قيمها ومبادئها وخياراتها، لفهم دورها في صناعة تاريخ لبنان والمساهمة في رسم مستقبله. سنعود إلى ظروف نشأة كل حزب والسياق الذي رافق تأسيسه، ونقرأ تحوّلاته التنظيمية والفكرية عبر المراحل المفصلية التي مرّ بها لبنان، كما نتوقف عند خطابه السياسي، وعلاقته بالهوية الوطنية وبالانتماءات الطائفية، وتموضعه في التحالفات والصراعات الداخلية، وانعكاس ذلك على قاعدته الشعبية. ولا يقتصر هدف هذه القراءة على سرد التاريخ، بل على فهم كيفية تشكّل خيارات الحزب ومواقفه، وما الذي بقي ثابتاً في مبادئه وما الذي تبدّل تحت ضغط الوقائع. نخصص هذه الحلقة من سلسلة المقالات للتعرف إلى تيار المردة بوصفه حزباً مسيحياً بارزاً وامتداداً لزعامة عائلة تاريخية. بطاقة تعريف: الاسم: تيار المردة التأسيس: عام1968 بوصفه تنظيماً سياسياً - أُطلق رسمياً بصيغته الحزبية عام 2006 المؤسّس: طوني فرنجية (نجل رئيس الجمهورية الأسبق سليمان فرنجية) الشعار: لا يعتمد شعاراً رسمياً في نظامه التعريفي؛ من أبرز شعاراته السياسية والانتخابية "نحنا مبارح، نحنا بكرا" ، "وطني دائماً على حق" الرمز البصري: درع بألوان الأحمر والأزرق تتوسطه أرزة لبنان، إلى جانب سيف أبيض؛ ويرمز السيف إلى العدالة، والأحمر إلى التضحية، والأخضر إلى أرزة لبنان، والأزرق إلى الأفق. الرئيس الحالي: سليمان طوني فرنجية مدة الولاية: غير متوافرة في المصادر الرسمية المنشورة التمثيل النيابي في انتخابات 2022: مقعدان ضمن لائحة "وحدة الشمال" تكشف التسمية أن التيار لم يكن في بدايته "حزباً" ولم يرتكز إلى برنامج أيديولوجي متكامل، بل كان تنظيماً سياسياً وعسكرياً في بيئة متوترة، تحتدم فيها الخلافات بين الحركة الوطنية اللبنانية من جهة (ضمت الأحزاب البسارية والقومية العربية وتزعمها كمال جنبلاط وتحالفت مع منظمة التحرير الفلسطينية) والجبهة اللبنانية (ضمت الأحزاب المسيحية وحذرت من الوجود المسلح للفلسطينيين).. يتميز تيار المردة عن غيره من الأحزاب اللبنانية بكونه حصيلة ثلاثة مستويات متداخلة: زعامة آل فرنجية التاريخية في زغرتا–الزاوية، وتنظيم مسلح ظهر قبل الحرب الأهلية وتكرّس خلالها، ثم حزب سياسي أُطلق بصيغته الحديثة سنة 2006. ومن هذا التداخل جاءت قوته واستمراريته كما جاءت حدوده أيضاً: فهو لاعب وطني حاضر في الاستحقاقات الكبرى، لكنه تنظيم محدود بمنطقة جغرافية وبالارتباط ببيت سياسي أكثر من أي حزب آخر. النشأة والتأسيس مثّل آل فرنجية إحدى أبرز العائلات السياسية في قضاء زغرتا، منذ أواخر العهد العثماني، ثم ترسّخ نفوذ العائلة خلال مرحلة الانتداب الفرنسي، حين اعتمدت الإدارة الانتدابية على الزعامات العائلية التقليدية في الشمال لتثبيت نفوذها من خلال الخدمات التي تقدمها العائلات الكبرى. وكان من أبرز العائلات المحلية التي تنافس عائلة فرنجية تاريخياً، آل معوض وآل كرم وآل الدويهي وآل المكاري ودارت المنافسة بينهم حول المقاعد النيابية والنفوذ البلدي والتمثيل السياسي للقضاء. يُذكر أن حميد فرنجية (1907 ـ 1981) هو أول من منح عائلة فرنجية حضوراً وطنياً واسعاً، إذ انتُخب نائباً في سن مبكرة، وعمل في الصحافة والمحاماة، وتولى وزارات بينها الخارجية والمالية والتربية، قبل أن ينسحب من الحياة العامة بسبب المرض. وبعده انتقلت القيادة إلى شقيقه سليمان فرنجية، الذي دخل البرلمان سنة 1960 ثم أعيد انتخابه في 1964 و1968. بذلك بدأت الزعامة من مسار برلماني ودبلوماسي ارتبط بقيام الدولة اللبنانية وتوازناتها الأولى. وبلغ هذا المسار ذروته في 17 آب أغسطس 1970، عندما انتُخب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية بـ50 صوتاً، مقابل 49 لمنافسه إلياس سركيس. عكس هذا الفوز بفارق صوت واحد، دقة المرحلة التي فاز خلالها بالرئاسة واحتدام المنافسة بين مختلف القوى الحاكمة عشيّة انقسام اللبنانيين حول الوجود الفلسطيني المسلح. شهد عهد فرنجية ان