هل فقد اللبناني رغبته في التغيير، أم فقد ثقته بقدرته على تحقيقه؟ في الديمقراطيات الحية، لا تُقاس قوة المشاركة السياسية بمجرد عدد الناخبين أو حجم الاحتجاجات، بل بقدرة المواطن على الإيمان بأن صوته يمكن أن يصنع فرقًا، وأن مشاركته قادرة على الانتقال من التعبير إلى التأثير، ومن المطالبة إلى القرار، ومن القرار إلى تغيير ملموس في حياة الناس. فالديمقراطية ليست مجرد آلية لاختيار ممثلين، وإنما علاقة ثقة بين المواطن والمؤسسات، وبين المشاركة والنتيجة، وبين المسؤولية السياسية وإمكانية التغيير. ومن هذه الزاوية، تبدو الأزمة اللبنانية أعمق بكثير من مجرد أزمة ثقة بطبقة سياسية أو حكومة أو مجلس نيابي. إنها أزمة ثقة بجدوى الفعل السياسي نفسه، بل وربما أزمة ثقة بقدرة المواطن على التأثير في المسار العام. في لبنان، لا تبدو المشكلة السياسية دائمًا في غياب الوعي، ولا في انعدام الرغبة في التغيير، ولا حتى في عدم قدرة اللبنانيين على النزول إلى الشارع والتعبير عن غضبهم. فالتجربة اللبنانية خلال السنوات الأخيرة أثبتت العكس تمامًا. خرج الناس إلى الشوارع، واحتجوا، وانتخبوا، وأسّسوا مجموعات مدنية، وخاضوا معارك اجتماعية وسياسية، ورفعوا شعارات تجاوزت في لحظات كثيرة الانقسامات التقليدية. ومع ذلك، بقي السؤال الأكثر إلحاحًا بلا جواب واضح: لماذا لا يتحول هذا الغضب الشعبي، وهذه المشاركة، وهذا الوعي، إلى تغيير سياسي ومؤسساتي مستدام؟ ربما هنا تكمن إحدى أكثر المفارقات اللبنانية قسوة: المواطن اللبناني قد يكون واعيًا للمشكلة، رافضًا لها، غاضبًا منها، لكنه في الوقت نفسه غير مقتنع بأن مشاركته قادرة على تغيير النتيجة. وهذا هو جوهر ما يمكن تسميته بـ«الفاعلية السياسية السلبية». فاللامبالاة السياسية تعني أن المواطن لا يهتم. أما الحالة اللبنانية فهي أكثر تعقيدًا: المواطن يهتم، ويتابع، وينتقد، وربما يحتج، لكنه يصل في مرحلة معينة إلى قناعة مفادها: «ماذا أستطيع أن أفعل؟» ومن هنا تبدأ الاستقالة السياسية. ليست الاستقالة السياسية بالضرورة قرارًا معلنًا بالابتعاد عن السياسة. قد تكون صمتًا، أو امتناعًا عن التصويت، أو هجرة، أو انسحابًا من العمل العام، أو عودة إلى الاحتماء بالطائفة والعائلة والزعيم، أو ببساطة قبولًا بالأمر الواقع باعتباره أقل كلفة من محاولة تغييره. شهد لبنان خلال العقد الأخير سلسلة من المحطات التي كان يمكن أن تشكل نقاط تحول حقيقية. في عام 2015، انفجرت أزمة النفايات، وتحولت حركة «طلعت ريحتكم» من احتجاج على أزمة بيئية وخدماتية إلى مساحة أوسع للاعتراض على الفساد والعجز السياسي. لم يكن الشارع يومها يحتج على النفايات فقط، بل كان يعبر عن رفض منظومة سياسية عاجزة عن إدارة أبسط شؤون الدولة. ثم جاءت تجربة «بيروت مدينتي» في الانتخابات البلدية عام 2016، مع ما لنا من تحفظات وملاحظات، لتقدم نموذجًا مختلفًا نسبيًا عن السياسة التقليدية، وتثبت أن هناك شريحة من اللبنانيين مستعدة لخوض المعركة السياسية خارج الأطر الحزبية والطائفية المعروفة. وفي انتخابات 2018، ظهرت لوائح وشخصيات ومجموعات حاولت تقديم نفسها كبدائل عن القوى التقليدية. كانت الرسالة واضحة: هناك جمهور يريد خيارات جديدة. ثم جاءت اللحظة الأكبر في 17 تشرين الأول 2019. لم تكن «انتفاضة 17 تشرين» مجرد حركة احتجاجية محدودة. فقد انتشرت التظاهرات في مختلف المناطق اللبنانية، وشارك فيها لبنانيون من خلفيات اجتماعية وطائفية ومناطقية متعددة. رفعت شعارات ضد الفساد، والمحاصصة، والطبقة السياسية، وطالبت بدولة أكثر عدالة ومساءلة. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدا أن جزءًا كبيرًا من اللبنانيين يريد أن يقول بوضوح: المشكلة ليست في هذا السياسي أو ذاك فقط؛ المشكلة في طريقة إنتاج السلطة نفسها. استقالت حكومة، وتغيرت حكومات، وارتفعت حدة الانهيار الاقتصادي، ثم جاء انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 ليضيف جرحًا وطنيًا عميقًا إلى أزمة الثقة بالدولة ومؤسساتها. وكان السؤال الذي طرحه اللبنانيون بعد الانفجار أكثر قسوة من كل ما سبقه: إذا كان المواطن لا يستطيع الحصول على حقه في العدالة حتى في قضية بهذا الحجم، فكيف يمكن إقناعه بأن صوته الانتخابي أو مشاركته السياسية ستغير شيئًا؟ هنا تتحول خيبة الأمل إلى قناعة. وقناعة المواطن بأن صوته لا يغير شيئًا أخطر بكثير من عدم اهتمامه بالسياسة. المشكلة ليست غياب المشاركة، بل غياب نتائجها ربما يكون من الخطأ القول إن اللبنانيين شعب غير سياسي أو غير مهتم بالشأن العام. التاريخ الحديث للبنان لا يسمح بهذه الخلاصة. اللبناني يشارك، لكنه لا يرى دائمًا نتائج لمشاركته. يحتج، لكن الاحتجاج لا يتحول بالضرورة إلى إصلاح. يصوت، لكن النتائج قد تعيد إنتاج القوى نفسها. ينتخب وجوهًا جديدة، ثم يكتشف أحيانًا أن الوجوه الجديدة تعمل