من يريد أن يصلّي، فليصلِّ. ومن يريد أن يؤمن، فليؤمن. ومن يريد أن يختلف، فليختلف. ومن يريد أن يسكر، فليشرب. لكن من يريد أن يضع جبيل أمام معادلة إمّا أن تفعلوا... وإمّا الحل الآخر، فعليه أولا أن يخبرنا: ما هو هذا الحل الآخر؟ سماحة الشيخ غسان اللقيس الصديق المحترم... جبيل أرضا وسماء جردًا وساحلا التي تعرفك، وتعرف أهلها، لم تكن بحاجة يوما إلى من يعلّمها معنى العيش مع الآخر. هذه المدينة الأثرية، لم نسأل المارة في شوارعها عن طائفتهم قبل أن نسلّم عليهم، ولم نفتّش في اسم الطالب قبل أن يدخل الجامعة، ولم نضع على أبوابنا أجهزة لقياس الإيمان، وكنَا ومازلنا نتميز بتعايشنا المشترك ونتغنى به ونتفاخر أمام جميع المدن والقرى اللبنانية. مدينة عاشت أديانًا وحضارات واحتلالات وحروبا، وبقيت أكبر من أن يحشرها أحد في زاروب مذهبي ضيق، أو يلبسها ثوب لا يشبه جمالها وأناقتها. ولهذا تحديدا، كان مستغربا أن تتحول مسألة داخل حرم الجامعة اللبنانية الأميركية في جبيل إلى خطاب يُقال فيه، بحسب الكلام المتداول، إن مئات الطلاب المسلمين يريدون الصلاة، وإن لم تعالج إدارة الجامعة الموضوع فإن الناس ستلجأ إلى حل آخر. أي حل آخر يا سماحة الشيخ؟ هذه ليست جملة عابرة في بلد كلبنان، وليست معاني بيضاء في سماء جبيل، الكلمات ليست حبرا فقط. فبعض الكلمات بارود وفي بلد دفع عشرات آلاف القتلى ثمن جملة طائفية تبعتها جملة، وحاجز تبعه حاجز، وشارع ردّ على شارع، لا يملك أحد ترف إطلاق عبارات تحتمل التهديد ثم ترك اللبنانيين يتساءلون عن المقصود. وهل أصبح الخلاف مع إدارة جامعة يحتاج إلى استنفار الناس؟ إذا كان هناك حق لطلاب مسلمين في ممارسة شعائرهم، فنحن أول من يدافع عنه، ليس منّةً من أحد. وليس لأنهم ثلاثمئة. حتى لو كان طالبا مسلما واحدا فقط، لا يجوز إهانة معتقده أو التمييز ضده بسبب دينه، وكذلك الطالب المسيحي والدرزي والشيعي والملحد وكل إنسان، فالحرية لا تُقاس بعدد أصحابها، لكن الدفاع عن حرية العبادة شيء، وتحويلها إلى استعراض أعداد وضغط طائفي شيء آخر تمامًا. فالقول إن هناك 300 طالب مسلم يفتح بابا خطيرا: ماذا لو بدأ كل فريق في لبنان بعدّ طلابه؟ ثلاثمئة من هنا، مئتان من هناك، مئة وخمسون من طائفة ثالثة، ثم تبدأ المطالبة بمساحات وحصص وتمثيل ومواعيد، وبعدها نحتاج إلى مجلس طوائف داخل كل جامعة، وعندها لن يعود الطالب طالبا، بل سيصبح رقما في دفتر المذهب، وهنا تبدأ الكارثة اللبنانية الصغيرة التي نعرف أنا وأنت وجميعنا دعنا نقول نهايتها جيدًا. نحن 18 طائفة معترفًا بها في لبنان. وإذا كان المطلوب تحويل المؤسسات التعليمية إلى امتداد للتقسيم الطائفي، فلنكتمل في عبثنا ونوزع القاعات وفق الجداول المذهبية ونكتب على الأبواب: هذه لهذه الطائفة، وتلك لتلك، ثم نتساءل بعد عشرين عاما لماذا لم نبنِ دولة. الجامعة ليست كنيسة، وليست جامعا، وليست حسينية، وليست مقرا طائفيا، ولا حتى مركز إستجمام، الجامعة جامعة لبنان كلّه بجميع أطيافه، وهذا لا يعني منع الصلاة ولا يعني إلغاء الدين ولا يعني أن نطلب من المؤمن أن يترك إيمانه عند البوابة، بل يعني أن المؤسسة الأكاديمية يجب ألا تتحول إلى أرض تتنافس عليها الطوائف لتثبيت حضورها، بل يتنافس عليها أصحاب العلم لإبراز نجاحاتهم وصولا لتتويج تفوقهم. فيمكن لأي جامعة محترمة أن تجد صيغة تحفظ حرية المعتقد للجميع، سواء بمساحة تأمل وصلاة مشتركة وفق أنظمتها، أو بترتيبات أخرى تحترم حقوق الطلاب، من دون أن تتحول كل مطالبة دينية إلى معركة هوية من دون تهديد الأهم. لبنان لم يخرب لأن اللبنانيين يصلّون كثيرا، خرب لأن السياسة دخلت إلى الصلاة، والطائفة دخلت إلى الوظيفة، والمذهب دخل إلى الجامعة، والزعيم دخل إلى القضاء، والمحاصصة دخلت إلى الإدارة، حتى لم يبقَ للدولة كرسي تجلس عليه. فكلما أردنا بناء مؤسسة، سبقنا إليها سؤال واحد نحن كم لنا فيها؟ لم نسأل: من الأكفأ؟ سألنا: من أي طائفة؟ لم نسأل: كيف نبني جامعة أفضل؟ سألنا: أين حصتنا؟ لم نسأل: كيف نبني دولة؟ سألنا: أين نفوذ جماعتنا؟ وهكذا أصبح لبنان بلدا فيه الكثير من الطوائف والقليل جدا من الدولة. قبل أكثر من قرنين، جاء الرحالة والمفكر الفرنسي "دو فولني" إلى هذه المنطقة وكتب عن مجتمعات الشرق، وعن الشائعة في لبنان كيف تنتشر ولماذا، وعن الدين حين يتحول من إيمان إلى هوية صدامية، وعن مجتمع لم ينجح بعد في بناء عقد سياسي يتجاوز انقساماته، ويخبرنا أن الله يُذكر في كل مكان في الشرق وفي كل حديث. ولكن هل يعني ذلك أنهم مؤمنون؟ وبالنسبة للمسيحيين إعلان الإيمان فعلُ تحدٍّ واستقلال، أما بالنسبة للمسلمين فهو فعلُ قوةٍ وتفوق. قال الكثير وقد نختلف معه في أحكامه وبعض ما كتبه ابن عصره ونظرته الأوروبية إلى الشرق، ولا يجوز تحويله إلى كتاب مقدس جديد، لكن السؤال الذي