ثمة مفارقة تاريخية في المشهد المشرقي اليوم: سوريا التي شكّلت لعقود أحد أهم العوامل المؤثرة في الحياة السياسية اللبنانية، دخلت مرحلة تحاول فيها إعادة بناء دولتها ومؤسساتها وموقعها الإقليمي. أما لبنان، الذي اعتاد أن يتأثر بتحولات دمشق أكثر مما امتلك القدرة على التأثير فيها، فيجد نفسه أمام بيئة إقليمية مختلفة، فيما لا تزال أجزاء أساسية من منظومته السياسية والأمنية تعمل وفق قواعد تشكّلت في زمن آخر. منذ سقوط نظام بشار الأسد، دخلت سوريا مساراً انتقالياً معقداً ومحفوفاً بالمخاطر، لكنها بدأت في الوقت نفسه إعادة ترتيب علاقة السلطة بالقوى المسلحة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، والانفتاح على النظامين الاقتصادي والسياسي الدوليين. كما دخل مسار دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة مرحلة جديدة، في محاولة لإعادة تجميع القوة المسلحة داخل الإطار المؤسسي للدولة. والأهم بالنسبة إلى لبنان أن العلاقة بين بيروت ودمشق بدأت تُطرح ضمن منطق مختلف. ملفات الحدود والأمن والاقتصاد باتت تُناقش بصورة متزايدة بين دولتين لكل منهما سيادته ومصالحه، بعد عقود طبعت خلالها الوصاية السورية السياسة اللبنانية. لبنان تغيّر كثيراً خلال العقدين الماضيين. انسحاب الجيش السوري عام 2005، وانتفاضة 17 تشرين، والانهيار الاقتصادي، وانفجار مرفأ بيروت، والحروب والتحولات في موازين القوى، كلها هزّت بنيته السياسية. ومع ذلك، بقي التغيير في كثير من الأحيان محصوراً في إعادة توزيع النفوذ، فيما ظلت قواعد أساسية في النظام السياسي والأمني على حالها. في علم السياسة، يُستخدم مفهوم "اللحظة الحرجة" لوصف الفترات التي تفتح فيها التحولات الكبرى مسارات جديدة أمام الدول والمؤسسات، حين يصبح الاستمرار في المسار السابق أكثر كلفة وتصبح إعادة صياغة القواعد ممكنة. لبنان يبدو اليوم قريباً من هذه اللحظة. فالبيئة التي أنتجت موازين القوى اللبنانية خلال العقود الماضية تتغير. سوريا تعيد تعريف موقعها الإقليمي، وإيران تواجه بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً، وإسرائيل تعيد رسم معادلات الأمن والردع، فيما تنخرط الولايات المتحدة بصورة مباشرة في الملفات اللبنانية والسورية. وأصبحت مسألة السلاح وقرار الحرب والسلم في لبنان مرتبطة بصورة أوضح بالتوازنات الإقليمية وبمستقبل العلاقة مع إسرائيل. هذه التحولات جزء من إعادة تشكيل المجمع الأمني الإقليمي الذي تحدث عنه باري بوزان. فالأمن في المشرق لم يكن يوماً محكوماً بالحدود السياسية وحدها؛ أمن لبنان ارتبط بأمن سوريا، وأمن سوريا تداخل مع إسرائيل وإيران والعراق، وأي تغيير في إحدى هذه الدوائر كان يترك أثره في الأخرى. لكن بنية هذا المجمع الأمني تتغير اليوم. وهنا تظهر إحدى أكثر مشكلات لبنان تعقيداً: عدم التكافؤ بين شرعية الدولة وأدوات القوة الموجودة داخلها. فحزب الله لا يمثل مجرد قوة سياسية تشارك في المؤسسات الدستورية. امتلاكه قوة عسكرية مستقلة، إلى جانب نفوذه السياسي والاجتماعي، يمنحه قدرة على التأثير في القرار الوطني تتجاوز موقعه كحزب داخل النظام السياسي. ولهذا تصبح المسألة أوسع من قضية سلاح خارج مؤسسات الدولة؛ إنها تتصل بمصدر القرار الأمني والاستراتيجي نفسه. الدولة تمتلك الشرعية الدستورية، لكن وجود قوة مسلحة قادرة على فرض معادلاتها يجعل ممارسة هذه الشرعية في بعض الملفات الاستراتيجية أكثر تعقيداً. إنها حالة يمكن وصفها بـ "ازدواجية القوة": سلطة رسمية تستند إلى الشرعية، وقوة موازية تملك أدوات تأثير قادرة على تعديل حدود القرار السياسي. وهذه الازدواجية إحدى أهم العقبات أمام بناء الدولة اللبنانية. من هنا، لا يمكن اختزال التغيير اللبناني في ملف السلاح وحده، كما لا يمكن فصل هذا الملف عن مشروع بناء الدولة. سلاح حزب الله هو العقدة الأكثر حساسية، لأن الدولة لا تستطيع أن تكتمل فيما يبقى القرار الأمني والاستراتيجي موضع ازدواجية. لكن لبنان لا يستطيع أيضاً أن ينتظر انتهاء هذا الملف كي يبدأ إصلاح مؤسساته واقتصاده وحدوده وعلاقاته الخارجية. يمكن للبنان أن يبدأ الآن في تقوية الجيش والأجهزة الأمنية، وضبط الحدود، وإعادة بناء الإدارة، وإصلاح القضاء، واستعادة الثقة بالاقتصاد، وتنظيم علاقته بسوريا، وتحديد سياسة خارجية أكثر وضوحاً. لكن اكتمال الدولة سيبقى مرتبطاً بحسم مصدر القرار الأمني والاستراتيجي، بحيث يصبح القرار السيادي في الحرب والسلم خاضعاً للمؤسسات الدستورية للدولة، ضمن نظام واضح لتوزيع الصلاحيات. ولا يعني ذلك بالضرورة العودة إلى مركزية القرار في كل تفاصيل الحياة اللبنانية. فالدولة القادرة يمكن أن تكون دولة اتحاديّة أو دولة ذات لا مركزية واسعة الصلاحيات، شرط أن يكون توزيع السلطة قائماً على قواعد دستورية واضحة، لا على موازين القوة المسلحة. المشكلة ليست في تعدد مراكز الإدارة والسلطة، وإنما