لم أستطع يوماً أن أفهم تركيبة بثينة شعبان الشخصية، رغم لقاءات متكررة معها فرضها عملي الصحافي في دمشق، وانتهى أحدها بطردي من قاعة مصغرة في مكتبة الأسد بعد سؤال لم يعجبها، وحين وصلت يومها إلى موقع "دي برس" كانت الشكوى قد سبقتني، لكن مالك الموقع استقبل الأمر بابتسامة وكافأني بفنجان قهوة، ولذلك بقيت صورتها في ذاكرتي مرتبطة بذلك النوع من السلطة التي لا تكتفي بإدارة الخبر، بل تريد أن تحدد للصحافي كيف يكتبه وما الذي يجوز قوله وما الذي يجب أن يبقى خارج النص. في السادس من آب/أغسطس 2008 ظهرت شعبان في مهمة مختلفة، ولكن بأدوات اللغة نفسها، لتعلن أن العميد محمد سليمان "ضابط في الجيش العربي السوري" اغتيل وأن التحقيق مستمر، من دون أن تقول ماذا كان يفعل هذا الضابط، ولماذا كانت وفاته تستحق أن تعلنها مستشارة الرئيس السياسية والإعلامية، ومن دون توجيه اتهام مباشر إلى إسرائيل أو إلى أي جهة أخرى، فبدا الرجل لحظتها كاسم صغير في خبر مقتضب، بينما كانت حقيقته أكبر بكثير من الصفة التي اختارت دمشق أن تمنحه إياها. محمد سليمان لم يكن ضابطاً عادياً في حياة بشار الأسد، بل واحداً من أكثر رجال الحلقة الرئاسية غموضاً، مستشاراً عسكرياً وأمنياً قريباً من الرئيس، مرتبطاً بملفات شراء السلاح ونقله إلى حزب الله، وبالعلاقة العسكرية مع إيران، وبالمشروع النووي السوري السري الذي أقيم في منطقة دير الزور بمساعدة كورية شمالية، وهي أدوار كانت تقارير استخباراتية تتحدث عنها منذ مقتله، قبل أن تتراكم لاحقاً الشهادات والوثائق التي جعلت موقعه في بنية النظام أكثر وضوحاً، ويقول مصدر لـ"المدن" إنه الرجل الوحيد الذي كان قادراً على إقناع الأسد الابن بأي قرار يتخذه. نفوذ سليمان، وفق روايات سورية متعددة، تجاوز رتبته العسكرية بكثير، حتى إن اسمه كان يتردد باعتباره واحداً من رجال القصر القادرين على التدخل في ملفات التعيينات والتسليح والميزانيات العسكرية، لكن الجزء الأكثر ثبوتاً من صورته لا يحتاج إلى المبالغات التي أحاطت به؛ يكفي أنه كان نقطة اتصال أساسية بين القصر والملفات العسكرية الأشد حساسية، وأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية كانت تعتبره محاوراً مهماً في الملف الذي فتحته بعد قصف منشأة دير الزور، قبل أن يؤدي مقتله إلى غياب أحد الأشخاص الذين كان يفترض أن يقدموا إجابات عما جرى هناك. وفي الرواية التي يوردها إيهود أولمرت اليوم، كان سليمان الرجل الذي "له يد في كل شيء"، والمسؤول عن إدارة مشروع المفاعل السوري وترتيبات بنائه وحمايته، وهي رواية إسرائيلية لا يمكن التعامل مع كل تفاصيلها باعتبارها حقيقة مستقلة، لكنها تتقاطع مع ما كان معروفاً منذ سنوات عن موقعه في ملفات الأسلحة الاستراتيجية، كما تتقاطع مع حقيقة أكثر دلالة: الرجل الذي ظهر في دمشق بعد موته بوصفه مجرد "ضابط" كان في الواقع واحداً من أكثر الرجال قرباً من أخطر أسرار الدولة. قبل اغتيال سليمان بأحد عشر شهراً، وفي ليلة الخامس إلى السادس من أيلول/سبتمبر 2007، قصفت طائرات إسرائيلية منشأة الكُبر في دير الزور في العملية التي عُرفت إسرائيلياً باسم "خارج الصندوق"، ثم التزمت إسرائيل الصمت أكثر من عشر سنوات ولم تعترف رسمياً بمسؤوليتها إلا في آذار/مارس 2018، في حين أصرت دمشق طويلاً على التقليل من أهمية الموقع وتقديمه باعتباره منشأة عسكرية لا علاقة لها ببرنامج نووي. الولايات المتحدة قالت منذ 2008 إن الموقع كان مفاعلاً سرياً بُني بمساعدة كوريا الشمالية وقادراً، عند تشغيله، على إنتاج البلوتونيوم، أما الوكالة الدولية للطاقة الذرية فظلت سنوات تستخدم لغة أكثر حذراً وتقول إن المبنى المدمر كان "على الأرجح بدرجة كبيرة جداً" مفاعلاً كان ينبغي التصريح عنه، إلى أن جاء التطور الأهم في الأول من أيلول/سبتمبر 2026، حين أعلنت الوكالة، بعد تعاون السلطات السورية الجديدة، أنها تمكنت من إغلاق جانب أساسي من التحقيق وأكدت وجود مفاعل كان قيد الإنشاء ومنشآت مرتبطة بتصنيع الوقود وتخزينه، وحددت نحو 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي في المواقع المرتبطة بالبرنامج. هذه المعطيات لا تعني أن سوريا كانت قد صنعت قنبلة نووية أو أصبحت على بعد خطوة منها، لكنها تثبت أن المشروع تجاوز كثيراً مرحلة الفكرة، وأن النظام كان يبني بنية سرية قادرة على إنتاج البلوتونيوم، وهو ما يجعل الدور المنسوب إلى محمد سليمان أكثر ثقلاً، ويعيد قراءة اغتياله في سياق مختلف عن الروايات التي حصرت مقتله في خصومات داخل النظام أو في تداعيات مقتل عماد مغنية. عندما اغتيل القيادي العسكري في حزب الله عماد مغنية في دمشق في شباط/فبراير 2008، سرت تكهنات كثيرة تربط محمد سليمان بالعملية وبمعرفته بتحركات مغنية، لكن ما تكشف اليوم يمنح العلاقة بين الملفين بعداً أكثر جدية؛ فأولمرت يروي أن سليمان وقائد فيلق القدس الإيراني قاسم سلي