ليس أخطر على لبنان من الحرب إلا الكذب على اللبنانيين بشأن أسبابها. وليس أخطر من الدمار إلا الإصرار على المعادلات التي أنتجته، ثم مطالبة الناس بأن يصفقوا لها باسم «المقاومة». من هنا، تجاوزت كلمة الدكتور سمير جعجع بعد قداس شهداء المقاومة اللبنانية في معراب حدود المناسبة الحزبية. أهميتها لم تكن في أنها قالت ما يريد جمهور القوات سماعه، بل في أنها وضعت أمام اللبنانيين سؤالاً لم يعد ممكناً الهرب منه: هل نريد دولةً فعلية، أم نريد الاستمرار في التعايش مع دولة ودويلة إلى أن ينهار الاثنان فوق رؤوسنا؟ جعجع اختصر الجواب بعبارة شديدة الدلالة: نريد دولة «تحزم وتجزم وتحسم وتحكم». وفي المقابل، رفض دويلةً تورّط لبنان في حروب الآخرين وتدافع عن إيران على حساب لبنان واللبنانيين. هذه ليست مسألة قوات وحزب الله. وليست مواجهة مسيحية ـ شيعية كما يحلو للبعض تصوير كل اعتراض على السلاح. إنها مسألة دولة. فأي منطق يقبل بأن تمتلك جماعة سياسية تنظيماً مسلحاً وقراراً عسكرياً وسياسة إقليمية خاصة بها، ثم تطلب من بقية اللبنانيين أن يتصرفوا وكأنهم يعيشون في جمهورية طبيعية؟ وأي شراكة وطنية هذه عندما يكون اللبنانيون متساوين في صناديق الاقتراع، لكنهم غير متساوين أمام ميزان القوة؟ المشكلة مع حزب الله ليست أن له موقفاً سياسياً. من حقه أن يؤيد إيران أو يعارضها، وأن يخاصم أميركا أو يصالحها، وأن يقدم برنامجه إلى اللبنانيين كما يشاء. المشكلة تبدأ عندما يصبح لهذا الموقف سلاح يحميه وقرار عسكري يفرض نتائجه على الآخرين. هنا ينتهي الحزب وتبدأ الدويلة. والأكثر إصابةً في كلمة جعجع أنه لم يتوقف عند السلاح. تحدث أيضاً عن «الدولة العميقة» التي تأخذ من الدولة لمصلحة الدويلة والمافيات والفاسدين. وهنا بيت القصيد. فالدويلة ليست مستودع سلاح فقط. إنها ثقافة سياسية كاملة: نفوذ داخل المؤسسات، وتعطيل عند الحاجة، واستثناء يتحول إلى حق مكتسب، ودولة يُطلب منها باستمرار أن تتفهم ضعفها كي لا تغضب من هو أقوى منها. لقد آن لهذا الاحتيال السياسي أن ينتهي. لا يمكن أن تبقى الدولة هي الطرف المطالب دائماً بالتنازل، فيما يحتفظ الطرف المسلح بكل أوراق القوة. ولا يمكن أن يُطلب من اللبناني أن يموّل جيشاً ودولةً ومؤسسات، ثم يكتشف عند ساعة القرار أن هناك من يملك فوقها حق تقرير الحرب والسلم. وفي هذه النقطة تحديداً كانت كلمة جعجع قاسية، ولكنها واقعية: لبنان يعيش وضعاً مأساوياً، مع مئات آلاف النازحين ودمار واسع واقتصاد مترنح وأفق غير واضح، فيما رأى أن الشعارات التي حكمت المرحلة السابقة، ومنها «جيش وشعب ومقاومة»، قد سقطت. والمطلوب هنا ليس الشماتة بحزب الله ولا ببيئته. فالجنوب الذي يدفع الثمن هو لبنان. والشيعي الذي يخسر منزله أو رزقه هو لبناني قبل أي شيء آخر. ولذلك فإن تحرير اللبناني الشيعي من معادلة الحرب الدائمة ليس مشروعاً ضدّه، بل مشروع دولة تحميه كما تحمي المسيحي والسني والدرزي. وهذه ربما أقسى حقيقة ينبغي أن يسمعها حزب الله: الدولة ليست عدواً للمقاوم، الدولة هي البديل الطبيعي والنهائي عنها. فالمقاومة، أي مقاومة، لا يمكن أن تكون نظام حكم أبدياً، ولا مؤسسة عسكرية موازية تورَّث من جيل إلى جيل. إما أن تنتهي إلى دولة، وإما أن تتحول مع الزمن إلى سلطة تحتاج إلى السلاح لحماية وجودها السياسي. وهنا تكتسب ذكرى الشهداء معناها الأعمق. الشهداء ليسوا ملك حزب، ولا يجوز تحويل دمائهم إلى مادة للمزايدة. قيمتهم أنهم يضعون الأحياء أمام امتحان الوفاء: هل تعلمنا شيئاً من نصف قرن من الدم؟ الوفاء لهم ليس أن نبقى أسرى المتراس. الوفاء أن نبني وطناً لا يحتاج فيه أبناؤنا إلى المتراس أصلاً. ولهذا بدت عبارة جعجع عن أن «فجر السيادة والحرية والحق بدأ يبزغ» أكثر من شعار مناسبة. لقد ربطها بالوفاء للدَّين الذي تركه الشهداء في أعناق الأحياء. والدين الحقيقي ليس ثأراً. إنه دولة. دولة لا تسأل طهران ماذا تفعل. ولا تنتظر تل أبيب لتحدد مصيرها. ولا تستقوي بواشنطن. ولا تسمح لحزب بأن يختطف قرارها بحجة حمايتها. جيش واحد. سلاح شرعي واحد. قرار واحد. هذا ليس برنامج القوات اللبنانية. يفترض أن يكون تعريف الجمهورية اللبنانية. ومن هنا، ربما كان أهم ما في خطاب معراب أنه نقل النقاش من سؤال «من ينتصر على من؟» إلى السؤال الصحيح: هل تنتصر الدولة أم تبقى الدويلة؟ لا نريد هزيمة الشيعة. نريد انتصار الدولة بالشيعة ومعهم، كما بالمسيحيين والسنّة والدروز. لكن على حزب الله أن يختار أيضاً. يمكنه أن يكون شريكاً كاملاً في الجمهورية، بحضوره الشعبي والسياسي والنيابي. أما أن يريد الجمهورية والدويلة معاً، والدستور والسلاح معاً، والدولة حين تخدمه وتجاوزها حين تعيقه، فهذه المعادلة استنفدت لبنان. لقد حانت ساعة الحقيقة التي تحدث عنها جعجع. إما أن يدخل السلاح إلى الدولة، أو