اللبنانيون عاجزون عن الأقساط: الخضوع للمدارس أو الرحيل "البلد كله خربان، المدرسة والقرطاسية منهم، وأكتر". بهذه العبارة تختصر سارة حمود حالها مع اقتراب العام الدراسي الجديد، في بلد لم يعد فيه التعليم مجرد بند إضافي في ميزانية الأسرة، بل عبئاً يهدد قدرة كثير من الأهالي على تأمين أبسط مقومات الحياة. تستعد سارة للعام الدراسي كما تستعد لأزمة جديدة. تقول لـ"المدن": "نعمل ليل نهار، في وظيفتين وثلاث، حتى نتمكن من تأمين تكاليف الحياة والمدرسة معاً". لا تبدو الأقساط وحدها المشكلة. فإلى جانبها تأتي الكتب والقرطاسية واللباس المدرسي والنقل، وغيرها من المصاريف التي تتراكم دفعة واحدة مع بداية أيلول. وكلها في بلد أنهكت أزماته الاقتصادية والاجتماعية الأسر، وجعلت تأمين الأساسيات نفسها معركة يومية. تضيف سارة: "نأمل أن يكبروا أولادنا ويغادروا هذا البلد المتعب". جملة تبدو أقرب إلى خلاصة مريرة لعلاقة الأهالي بالتعليم: يدفعون ما يستطيعون، ويستدينون حين لا يستطيعون، لا لأنهم مطمئنون إلى ما ينتظر أبناءهم، بل لأنهم يخشون أكثر من أي شيء آخر أن يخسر أولادهم فرصتهم في المستقبل. ليست أزمة الأقساط المدرسية جديدة في لبنان. لكنها، عاماً بعد عام، تصبح أكثر قسوة. فما كان يُدفع بصعوبة قبل سنوات، صار اليوم يحتاج إلى إعادة ترتيب كاملة لأولويات الأسرة، فيما لا تزال المداخيل عاجزة عن اللحاق بالارتفاع المتواصل في كلفة المعيشة. وفي بلد تشكل فيه المدارس الخاصة أكثر من 70 في المئة من قطاع التعليم، تبدو العلاقة بين المدرسة والأهل مختلة في ميزان القوة. فالمدرسة تحدد القسط، وتضيف إليه الرسوم والبدلات واللوازم، فيما يجد الأهل أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما تقريباً: الدفع أو البحث عن مدرسة أخرى، مع ما يعنيه الانتقال من مدرسة إلى أخرى من كلفة واضطراب وتحديات إضافية. تقول بشرى عساكر، وهي أم لولدين، لـ"المدن": "كل عام يزيد القسط. تعوّدنا ولم نعد نتأثر". ثم تضيف: "الأمر محتم علينا ولا نستطيع أن نفعل شيئاً. لا يمكنني كل سنة أن أفعل ردة فعل. تأقلمنا. نريد أن تمر السنوات وننتهي من هذا الكابوس". التأقلم هنا ليس قبولاً بقدر ما هو استسلام أمام واقع لا تملك الأسرة أدوات تغييره. فحين يتحول الارتفاع السنوي في الأقساط إلى أمر متوقع، يصبح الاعتراض نفسه مجهوداً إضافياً لا تستطيع كثير من العائلات تحمّله. محمد حرب أب لولدين يفصل بينهما عام واحد فقط. ومع ذلك، لا تستطيع الأسرة دائماً الاستفادة من كتب الابن الأكبر للابن الأصغر. يقول، في حديثه عن كلفة الكتب: "لا يقبلون أن يستعمل الولد كتب أخته، بحجة أنهم يكتبون عليها". المسألة بالنسبة إليه ليست تفصيلاً صغيراً. فالكتاب الذي يمكن أن ينتقل من طفل إلى آخر، ويوفر على الأسرة جزءاً من النفقات، يتحول إلى كلفة جديدة مع كل عام دراسي. يقول محمد، وهو يحبس أنفاسه: "الكل يتفق مع بعضه". وفي هذه الجملة تختصر الأسر كثيراً من غضبها، شعور بأن كل شيء يزداد كلفة في الوقت نفسه، وأن الأهل يواجهون منظومة كاملة من المصاريف، من دون أن تكون لديهم قدرة فعلية على التفاوض. فادي زكور، أب لثلاثة أولاد، لا يختلف كثيراً عن غيره. بالنسبة إليه، بات العام الدراسي موعداً ثابتاً للقلق. "كل عام تتكرر الأزمة نفسها، الغلاء وضيق الحال. أستدين لأدفع الأقساط"، يقول. الاستدانة التي كانت تُستخدم في حالات استثنائية، تحولت لدى بعض الأسر إلى وسيلة لتغطية النفقات الأساسية. فبدل أن يكون راتب الأسرة كافياً لتأمين حاجاتها، يجري توزيع العجز على أشهر السنة. لكن المشكلة لا تنتهي بانتهاء موسم التسجيل. فالقسط ليس سوى بداية الحساب. هناك النقل، والطعام، والقرطاسية، والأنشطة المدرسية، والزيّ، والكتب، ومصاريف أخرى قد لا تظهر في الرقم الأساسي الذي تعلنه المدرسة. ومع كل بند إضافي، تضيق مساحة المناورة أمام الأسرة، يقول زكور. لم تكن المدرسة الرسمية يوماً الخيار الذي خططت له رنا عيدو لأولادها. طوال السنوات الماضية، أبقتهم في مدرسة خاصة، رغم الارتفاع المتواصل في الأقساط، إلى أن وصل المبلغ إلى حدّ لم تعد قادرة على تأمينه. هذا العام، اتخذت القرار الأصعب: نقلت أولادها إلى المدرسة الرسمية. تقول لـ"المدن": "ما نقلتهم لأنني مقتنعة أن الرسمي أفضل، بالعكس، لدي مخاوف كثيرة. لكن لم يعد بإمكاني دفع القسط. ماذا أفعل؟ أتركهم بلا مدرسة؟". تعرف رنا جيداً المشاكل التي يعاني منها التعليم الرسمي في لبنان، من تراجع الإمكانات والمستوى، مروراً بتراجع انتظام العام الدراسي في السنوات الماضية، وصولاً إلى أوضاع بعض المدارس وتجهيزاتها. لكن كل ذلك لم يعد كافياً بالنسبة إليها للتمسّك بالمدرسة الخاصة، بعدما أصبحت كلفتها تفوق قدرة الأسرة على الاحتمال. "كنت أخاف أن أنقلهم، وكنت أقول إنهم تعودوا على مدرستهم ورفاقهم ومستواهم، لك