بدأت القصة بإرث عائلي متنازع عليه، وانتهت بإشعار قضائي مزوّر، وملايين الدولارات التي تنقّلت بين المصارف وصناديق المحكمة من دون أن يعثر عليها أحد، واتصالات غامضة من أشخاص قدّموا أنفسهم بأسماء قضاة. أما المفاجأة، فكانت أن القضية التي قيل إنها رُبحت أمام مختلف درجات المحاكمة لم يكن لها أثر واضح، وأن صندوق الأمانات الذي قيل إنه يحتوي على الأموال غير موجود أساساً. الخيط الأول ظهر عندما وصل إلى القضاء إشعار مؤرخ في 14 تموز 2026، منسوب إلى الرئاسة الأولى لمحكمة استئناف جبل لبنان، يطلب من بنك عودة تسليم أموال مودعة في صندوق أمانات إلى جوزيف ح. ووالدته جمال ز. وشقيقته ليا ح.، الممثلين بالمحامية رباب م. بدا المستند للوهلة الأولى رسمياً: أسماء محددة، موعد لتسليم الأموال، وتعليمات للمصرف بالتحقق من الهوية وإبلاغ المحكمة بعد التنفيذ. لكن الرئيسة الأولى لمحاكم الاستئناف في جبل لبنان القاضية ميرنا بيضا حسمت الأمر سريعاً، مؤكدة أن التوقيع المنسوب إليها ليس توقيعها، وطالبت بفتح تحقيق عاجل لمعرفة من أعد الإشعار وطبعه ووقّعه وسلّمه وحاول استعماله. هنا دخل النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر على خط القضية، وأعطى مفرزة بعبدا القضائية، بإمرة العقيد محمد برجاوي، إشارة فورية إلى مراسلة بنك عودة ومنع تنفيذ المستند قبل التثبت من صحته. وجاء جواب المصرف أكثر إثارة من المستند نفسه: بنك عودة لم يتسلّم الإشعار، ولا أحد من الأشخاص الواردة أسماؤهم فيه يستأجر صندوق أمانات لديه. لكن كيف وصل جوزيف إلى الاعتقاد بأن ملايين الدولارات تنتظره داخل صندوق مصرفي؟ بحسب إفادته أمام المحققين، تعود القصة إلى وفاة والده عام 2021، وما تبعها من خلاف مع عمه حول حصة والده في شركة تعمل في مجال المولدات الكهربائية وشبكات توزيع الأقمار الاصطناعية. كان جوزيف يعتقد أن والده يملك نصف الشركة، فيما أبلغه عمه، وفق روايته، بأن والده لم يكن يملك شيئاً، قبل أن يعرض عليه حصة بنسبة 25 في المئة. بعد فشل محاولات التسوية، تعرّف جوزيف إلى المحامية رباب م. وسلّمها ما لديه من فواتير وإيصالات ومستندات. ومنذ تلك اللحظة، بدأت أمامه رحلة قضائية بدت وكأنها تسير لمصلحته بصورة مذهلة. قال في إفادته إن المحامية أبلغته بأنها تقدمت بدعاوى وشكاوى عدة، ثم أخبرته بأنهم ربحوا الدعوى أمام محكمة الدرجة الأولى، وربحوا الاستئناف والتمييز أيضاً. إلا أنه، وفق قوله، لم يتسلّم أي نسخ عن تلك الأحكام. ومع كل مرحلة، كانت تظهر نفقات جديدة. وبحسب روايته، دفع نحو 50 ألف دولار كنفقات للمحاكمات، ثم 35 ألفاً لإجراءات التنفيذ، ونحو 20 ألف دولار أخرى للإعلانات والرسوم. وبعد ذلك، جاءه الخبر الذي كان ينتظره: المبلغ المستحق له ولعائلته حُدّد بنحو 3 ملايين و50 ألف دولار. غير أن قبض الملايين لم يكن سهلاً. فالأموال، وفق المعلومات التي كانت تصله، انتقلت أولاً إلى مصرف لبنان، ثم إلى بنك بيبلوس، وبعدها إلى صندوق المحكمة، وصولاً إلى صندوق أمانات في بنك عودة. وفي كل مرة كان يقترب فيها موعد التسليم، كان يظهر سبب جديد للتأجيل. وخلال هذه المرحلة، بدأت الاتصالات الغامضة. قال جوزيف إنه تلقى مكالمات من أرقام محجوبة، عرّف أصحابها عن أنفسهم بأسماء قضاة وموظفين مصرفيين. وشدد على أنه لا يجزم بأن المتصلين كانوا فعلاً من ذكروا أسماءهم، بل إنهم قدّموا أنفسهم بهذه الصفات. إحدى المتصلات قالت إنها موظفة في بنك بيبلوس، وأبلغته بأن الأموال ستُدفع على دفعات، على أن تبلغ الدفعة الأولى نحو 500 ألف دولار. ثم ظهرت اتصالات أخرى بأسماء قاضيات، تتولى كل واحدة منهن الملف لفترة قبل أن تتنحى أو يُنقل الملف إلى سواها. كان الموعد يتحدد، ثم يأتي الاتصال لإلغائه. مرةً بسبب تحقيق يطاول قضاة، ومرةً بسبب ضغوط، ومرةً لأن القاضية مريضة، ومرةً لأن الأموال أعيدت إلى صندوق المحكمة “كإجراء احترازي”. ومع ازدياد شكوكه، بدأ جوزيف تسجيل المكالمات. وبحسب إفادته، أبلغته المحامية لاحقاً بأن الأموال نُقلت إلى صندوق أمانات في بنك عودة، وسلّمت العائلة مفتاحاً قالت إنه يعود إلى الصندوق، موضحة أن المحكمة تحتفظ بالمفتاح الثاني. لكنها طلبت منهم عدم التوجه إلى المصرف قبل الحصول على الإذن. توجه جوزيف ووالدته إلى محكمة جديدة المتن، حيث التقيا المحامية خارج المبنى. وهناك، وفق روايته، أبرزت له الإشعار الذي سيصبح لاحقاً محور التحقيق، وطلبت منه تصويره بهاتفه، فيما احتفظت بالنسخة الأصلية. كان الإشعار يحدد 16 تموز موعداً لتسليم الأموال. لكن في صباح ذلك اليوم، تلقى جوزيف اتصالاً من رقم محجوب. المتصلة عرّفت عن نفسها بأنها القاضية ميرنا بيضا، وطلبت منه عدم الذهاب إلى بنك عودة، بحجة وجود تحقيق يتعلق بمصير قاضيتين ومستقبلهما المهني. وهنا لا بد من التشديد على أن التحقيق لم يث