كما في كل عام، تتصدّر الأقساط المدرسية حديث اللبنانيين مع اقتراب انطلاق العام الدراسي. فمنذ بداية الأزمة الاقتصادية وما تلاها من أزمات مالية ومعيشية وأمنية، تتصاعد كلفة التعليم عاماً بعد عام. وهذه السنة تشير المعطيات المتداولة إلى زيادات راوحت بين نحو 5 و30 في المئة، فيما يبقى التساؤل الأبرز: هل ارتفعت رواتب المعلمين مقارنة بارتفاع الأقساط؟ يؤكد الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر لـ"النهار" أن "لا قرار عاماً أو موحداً حتى الآن بفرض زيادات على الأقساط"، مشيراً إلى أن كل مدرسة يفترض أن تدرس موازنتها بشكل منفصل، بالتنسيق مع لجنة الأهل، وفق أحكام القانون 515. تواجه المدارس ارتفاعاً في المصاريف التشغيلية نتيجة الغلاء وأسعار المواد والمحروقات وبدلات النقل، إذ تشكّل المصاريف التشغيلية نحو 35 في المئة من إجمالي موازنة المدرسة، وفق نصر الذي لفت إلى أن نسبة تحصيل الأقساط من الأهالي لا تزال متدنية، ما يقيّد قدرة المدارس على تغطية نفقاتها. ويضاف إلى ذلك الوضع في جنوب لبنان، حيث تضررت مدارس وتهدمت أخرى كلياً، وسط ضبابية حول شكل التعليم في بعض المناطق، فضلاً عن النزوح وعدم الاستقرار الأمني، ما لا يشجع، بحسب نصر، على فرض زيادات عامة. وعن رواتب المعلمين، أشار نصر إلى تفاوت المدارس في قدرتها على استعادة رواتب المعلمين، إذ لا يزال بعضها عند 40 إلى 50 في المئة مما كان عليه قبل الأزمة، فيما تراوح النسبة في مدارس أخرى بين 50 و65 في المئة، ولامست في مدارس 90 في المئة. أما الرواتب الفعلية، فأكّد أن "لا أستاذ يتقاضى أقل من 28 مليون ليرة لبنانية"، وهو الحد الأدنى الرسمي المعتمد للتسجيل في الضمان الاجتماعي. وفي المدارس ذات الإمكانات المحدودة، تراوح الرواتب بين 350 و600 دولار، بينما تتجاوز في مدارس كبرى 1000 دولار، وصولا الى 2000 دولار، في حين يراوح المتوسط العام للرواتب بين 800 و1000 دولار شهرياً. في المقابل، بلغت الزيادة على أقساط مدارس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية 5 في المئة في معظم المدارس، مع ارتفاع أكبر بقليل للتلامذة ذوي الاحتياجات الخاصة، بحسب غنوى بدوي، مديرة الشؤون التربوية في الجمعية. وأوضحت بدوي لـ"النهار" أن القرار اتُخذ مراعاة للظروف الاقتصادية وقدرة الأهالي على تحمّل الأعباء، رغم ارتفاع كلفة التشغيل والصيانة والمولدات وإعادة تأهيل بعض المدارس التي استخدمت لاستقبال النازحين، إلى جانب كلفة التدريب والتطوير التربوي للمعلمين. أما رواتب المعلمين، فلم تُقر زيادة جديدة حتى الآن، فيما يستمر البحث فيها بناءً على طلبهم، مع السعي إلى تحسين أجورهم وتسديد مستحقات صندوق التعويضات من دون تحميل الأهالي زيادات كبيرة. وللعائلات غير القادرة على الدفع، تعتمد المقاصد على صندوق المنح والمساعدات المدرسية، الذي دعم أكثر من 1250 تلميذاً في 14 مدرسة خلال العام الدراسي 2025-2026، وساهم في استمرار 87 في المئة من التلامذة المدعومين في تعليمهم. لكن الصورة التي يقدمها اتحاد لجان الأهل مختلفة. فرئيسة الاتحاد لمى الطويل شددت في حديثها لـ"النهار" على أن أغلبية المدارس الخاصة أقرت زيادات وبدأت بإبلاغ الأهالي بها، مشيرة إلى أن النسب راوحت بين 15 و30 في المئة. وبحسب الطويل، يبلغ متوسط الأقساط المدرسية الخاصة نحو 4000 دولار سنوياً. وتبدأ الأقساط في المدارس شبه المجانية من نحو 2000 دولار، وفي المدارس المتوسطة من 3000 دولار، فيما تبدأ في مدارس الفئة الأولى من نحو 8000 دولار وما فوق. وترى الطويل أن هذه الزيادات الكبيرة غير مبررة، معتبرة أن الزيادة الممكن تحمّلها تقتصر على ارتفاع سعر المازوت أو بدل نقل للمعلمين. كما لفتت إلى أن الأقساط عادت لتوازي، وفي بعض الحالات تتجاوز، مستويات ما قبل عام 2019، بينما لم يستعد الأساتذة كامل حقوقهم المالية. وأشارت إلى أن هذا الواقع يدفع، خصوصاً أبناء الطبقة المتوسطة، إلى البحث عن بدائل، بينها الانتقال إلى المدارس الرسمية، مع تزايد طلبات الحصول على إفادات من الدوائر التربوية للانتقال إلى المدارس الرسمية. مدارس تحوّلت إلى مراكز إيواء في لبنان (رويترز) اتهامات لوزارة التربية و"فساد إداري" في السياق، كشفت الطويل أن هناك "أعداداً مهولة" من الاعتراضات على الزيادات، وأن عدداً من لجان الأهل يتجه إلى المجالس التحكيمية التربوية للطعن فيها والمطالبة بتجميدها إلى حين دراسة الموازنات. وفيما أكّد الأب نصر أن المدارس تلتزم القانون 515 وأن لجان الأهل شريك أساسي في دراسة الموازنات والتوقيع عليها، قالت الطويل إن بعض المدارس لا تتعاون مع اللجان المنتخبة قانونياً، بل مع لجان عيّنتها الإدارات نفسها. وحمّلت وزارة التربية مسؤولية التقصير في الرقابة على المدارس الخاصة، معتبرةً أن الوزارة لم تمنع فرض الزيادات قبل دراسة الموازنات وإقرارها