من حق رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أن ينتقد رئيس الجمهورية جوزاف عون، وأن يسائل العهد عن كل تأخير أو خلل. لكن من يريد إقناع اللبنانيين بأن الرئيس عاجز، عليه أولاً أن يسمّي القرار الذي كان متاحاً أمامه ورفض اتخاذه. ماذا كان يستطيع عون أن يفعل أكثر مما فعل؟ هل كان عليه أن يرفض التفاوض ويترك إسرائيل تستكمل حرباً مدمرة على لبنان؟ أم أن يصدر أمراً لا يملكه منفرداً، ويدفع الجيش إلى مواجهة حزب الله في الضاحية والجنوب والبقاع؟ أم أن يصنع، بإمكانات دولة منهكة، ما عجزت القوى اللبنانية عن إنجازه طوال عقود؟ تسلّم عون بلداً تحت النار، بأجزاء محتلة من أرضه، وجيش محدود الإمكانات، ومؤسسات منهكة، وسلاح خارج سلطة الدولة، وانقسام داخلي حاد حول كيفية معالجته. لم يكن عون من فتح الجبهة، ولا من ربط قرار لبنان بحسابات إيران، ولا من راكم السلاح خارج المؤسسات، ولا من أدخل البلاد في حرب لم يقررها اللبنانيون. المسؤولية عن وصول لبنان إلى هذا المأزق تقع أولاً على من صادر قرار الدولة وورّطها، لا على من تسلّمها وهي تقف فوق الركام ويحاول إخراجها منه. ومع ذلك، لم يهرب عون من أخطر الملفات. وضع حصرية السلاح في صلب سياسة العهد، ونقلها من شعار تتقاذفه الأحزاب إلى جدول الدولة ومسار المعالجة الرسمية. ودفع بمشروع تفاوضي في لحظة كان فيها لبنان مهدداً بحرب إسرائيلية أوسع، وسعى إلى الاستفادة من الغطاء الأميركي والدولي لوقف ما يمكن وقفه من الاعتداءات وانتزاع ما يمكن انتزاعه من ضمانات. وفي ميزان القوى القائم، لم يكن أمام عون جيش قادر على فرض الانسحاب على إسرائيل، ولا دولة مكتملة السيادة تستطيع نزع سلاح حزب الله بقرار إداري، ولا إجماع داخلي يسمح باستخدام القوة من دون تعريض البلاد لانقسام خطير. لذلك لجأ إلى واشنطن، الرافعة الخارجية الأكثر تأثيراً في القرار الإسرائيلي، مستفيداً من القناة المتاحة مع إدارة الرئيس دونالد ترامب. لم تكن الولايات المتحدة ضمانة مطلقة، لكنها الورقة الدولية الأقوى المتوافرة أمام لبنان، في وقت تكاد تخلو فيه يد الدولة من أوراق الضغط. قد لا يكون عون قد حصل على كل ما يريده لبنان، ولم تتوقف الاعتداءات نهائياً، ولم تُستعد السيادة كاملة. ويمكن مساءلته عن سرعة المعالجة، والتنسيق بين المؤسسات، والحاجة إلى مراحل ومهل أكثر وضوحاً. لكن المسؤولية السياسية لا تُقاس بالمعجزات، بل بما يستطيع رجل الدولة انتزاعه من موازين قوة مختلة، وبالكوارث التي يمنع وقوعها عندما يعجز بلده عن فرض شروطه بالقوة. عون لم ينهِ الأزمة، لكنه وضعها على طريق الحل. لم ينجز حصرية السلاح بعد، لكنه نقلها إلى عهدة الدولة. ولم يلغِ الخطر الإسرائيلي، لكنه ساهم في تخفيض خطر حرب أشد تدميراً، وحافظ على الجيش باعتباره أداة الحل لا وقوداً لنزاع داخلي. المشكلة في خطاب جعجع ليست في مطالبته بحصرية السلاح، فهذا هدف يفترض أن يجمعه مع عون، بل في القفزة غير المفسرة من الهدف إلى التنفيذ. عندما يقول إن الوقت بات وقت “أفعال لا أقوال”، وإن على الدولة اتخاذ “خطوات عملية جداً”، فمن حق اللبنانيين أن يسألوه: أي أفعال تحديداً؟ هل المقصود قراراً حكومياً بمهل واضحة؟ فليطرحه وزراء “القوات” داخل مجلس الوزراء. هل المقصود خطة سياسية تدريجية؟ فليقدمها للرأي العام. هل المقصود تعزيز الجيش وتأمين الغطاء له؟ فليستخدم علاقاته الداخلية والخارجية لتحقيق ذلك. أما إذا كان المطلوب تجاوز التفاوض والتدرج والضمانات، فلا يبقى عملياً سوى استخدام القوة. لا يجوز القول إن جعجع يريد حرباً أهلية ما دام لم يدعُ إليها صراحة. لكن النيات لا تلغي النتائج، وفي بلد يختلط فيه السلاح بالسياسة والانقسام الطائفي، قد تكون المسافة بين شعار “الحزم” وأول رصاصة أقصر مما يتصور الخطباء. فهل يريد جعجع من الجيش أن يدخل في مواجهة مع حزب الله؟ وهل يضمن أن يبقى الجيش موحداً؟ وهل يملك خطة لحماية المدنيين ومنع الانقسام المذهبي؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا تحولت العملية إلى اقتتال داخلي وخرجت المؤسسة العسكرية منه مفككة أو مستنزفة؟ الدولة ليست إرادة فقط، بل شرعية وقدرة. وإذا اتخذت قراراً يفوق قدرتها على التنفيذ، فقد تخسر الاثنين معاً. لذلك لا يكون السؤال: لماذا لم يأمر عون بنزع السلاح فوراً؟ بل كيف تستعيد الدولة احتكار القوة من دون تحطيم المؤسسة التي يفترض أن تحتكرها؟ حماية الجيش من مواجهة غير محسوبة ليست حماية لسلاح الحزب، بل حماية لأداة الدولة الوحيدة القادرة على استعادة السيادة. فالجيش لا ينتصر فقط بعدد جنوده وسلاحه، بل ببقائه جيشاً لجميع اللبنانيين. المطلوب حصر السلاح، لكن المطلوب أيضاً أن تبقى هناك دولة يُحصر السلاح بيدها. وهنا يكمن الفخ الذي تستفيد منه إسرائيل. قد لا يكون هذا ما يريده جعجع، لكن إسرائيل لا تحتاج إلى هدية أكبر من أن يتحول ال