تلقّى الرهان اللبناني على دور إيطالي متقدّم في مرحلة ما بعد «اليونيفيل» ضربة جدّية، بعدما أبدت روما تحفظات أساسية حيال تولّي مهمة عسكرية مستقلة أو قيادة قوة بديلة في جنوب لبنان، بالتوازي مع تراجع احتمالات تولّيها رئاسة «آلية التحقيق» المرتبطة بما عُرف بـ«المناطق التجريبية». وبذلك، تكون واحدة من أبرز الأفكار التي عملت عليها رئاسة الجمهورية خلال الفترة الماضية قد اصطدمت بعقبات ميدانية وسياسية، بعدما راهن لبنان على استدراج مظلة أوروبية للجنوب، تكون إيطاليا رأس حربتها، وصولاً إلى تولّيها دوراً أساسياً في أي قوة تخلف «اليونيفيل». ولهذه الغاية، كان رئيس الجمهورية جوزاف عون قد زار روما والتقى رئيس الجمهورية ورئيسة الوزراء الإيطالية، واضعاً الملف اللبناني ومستقبل الوجود الدولي في الجنوب في صلب محادثاته. ما عاد به الإيطاليون من بيروت لم يكن مشجعاً. بحسب معلومات «ليبانون ديبايت»، برز التحول في المقاربة الإيطالية عقب الزيارة التي أجراها مدير المخابرات الإيطالية، الجنرال جيوفاني كارافيلي، إلى بيروت نحو ٣ أسابيع، حيث التقى الرؤساء الثلاثة وأجرى محادثات مع مسؤولين عسكريين وأمنيين كباراً. لم تكن الزيارة بروتوكولية. حضر كارافيلي لاستطلاع البيئة السياسية والأمنية فضلاً عن المخاطر التي قد تعمل ضمنها بلاده في حال قررت الاستجابة للطلب اللبناني وتولّي دور متقدم في القوة التي يُبحث في تشكيلها لما بعد «اليونيفيل». وكان الرجل يريد أجوبة واضحة عن أسئلة عملية، حول طبيعة المهمة وحدودها والمخاطر التي قد يتعرض لها الجنود الإيطاليون، ومدى وجود ضمانات سياسية وميدانية تسمح لقوة إيطالية بالعمل في الجنوب بصورة مستقلة وعلى نطاق أوسع من انتشارها الحالي. والأهم بالنسبة للإيطاليين، ماذا سيكون موقف حزب الله؟ تفيد معلومات «ليبانون ديبايت» بأن كارافيلي سعى إلى عقد لقاء مع مسؤولين أمنيين في حزب الله، إلا أن اللقاء لم يحصل. ويتردد أن الحزب امتنع عن تحديد موعد له. بالنسبة إلى الجانب الإيطالي، لم يكن الأمر تفصيلاً بل شكل رسالة فهم منها أن الحزب يعترض على الوجود الإيطالي وفق صيغة مستقلة. فروما كانت فعلياً بدأت تدرس سيناريو قد يرفع عديد قواتها في لبنان من نحو 800 جندي حالياً إلى قرابة ألفي جندي، مع توسيع رقعة انتشارهم إلى قطاعات ومناطق لم يسبق للقوات الإيطالية أن عملت فيها. لذلك، كان كارافيلي مهتماً، وفق المعلومات، بمعرفة مدى إمكانية توفير ضمانات أمنية لقوات بلاده، كما سعى إلى استكشاف موقف الحزب من أي انتشار إيطالي موسّع ومن طبيعة الدور الرقابي المفترض ضمن آلية «المناطق التجريبية». من هنا، بدأت الحسابات تتغير. وبحسب مصادر سياسية وأمنية، انتهت عملية التقييم الإيطالية إلى التعامل بحذر أكبر مع المشروع، ما دفع روما إلى تعليق البحث في الانخراط بالشكل المطروح، وتأجيل حسم موقفها النهائي بانتظار اتضاح المسار السياسي والأمني. عملياً، لم تُسقط إيطاليا الفكرة نهائياً، لكنها لم تعد تتعامل معها بالحماسة نفسها. وهذا بحد ذاته يشكل انتكاسة للمقاربة اللبنانية، ولا سيما لرئاسة الجمهورية التي بنت جزءاً مهماً من تحركها الخارجي على استقطاب دور إيطالي أكبر في الجنوب. فروما وجدت نفسها أمام مهمة تكتنفها التباسات كثيرة. فإسرائيل لا تبدو مستعدة لتوفير الظروف المطلوبة لنجاح الآليات المقترحة، وحزب الله لا يمنحها الغطاء، فيما لا تزال الصيغة القانونية والسياسية للقوة نفسها غير محسومة. وفوق ذلك كله، لا يوجد حتى الآن توافق لبناني داخلي واضح على طبيعة القوة وصلاحياتها ومرجعيتها. في المقابل، لا يبدو موقف حزب الله مفاجئاً. فالحزب كان أصلاً متحفظاً على البحث عن بديل لـ«اليونيفيل»، ولم يشارك في التوقيع على العريضة النيابية التي طالبت الأمم المتحدة بالتمديد للقوة الدولية وحظيت بتوقيع 86 نائباً. ومن وجهة نظر الحزب، لا معنى لاستبدال قوة دولية متعددة الجنسيات بقوة أخرى تقودها دولة واحدة أو مجموعة محدودة من الدول، وبمهمة مختلفة وغير واضحة المعالم ومن خارج أي قرار أممي، قد تتحول لاحقاً إلى ما يشبه «الوصاية الأمنية الدولية» على الجنوب. لا بل فهم أن الحزب لا يريد الإعتراف بأي قوة دولية في الجنوب تأتي على أنقاض القرار ١٧٠١ حيث يرفض الإعتراف بأنه سقف وأنتهى. كذلك، لا يريد الحزب صيغة تُقصى منها فرنسا وإسبانيا. المسألة هنا لا تتعلق بثقة الحزب بالقوات الفرنسية أو الإسبانية، بل بحساب سياسي أوسع. فهو لا يريد اختلال التوازن داخل أي وجود دولي جديد، ولا يبدو مستعداً للمشاركة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إخراج فرنسا من المعادلة اللبنانية التي تدرك تفاصيلها جيداً وخبرتها، خصوصاً أن باريس أبقت طوال المرحلة الماضية قنوات اتصال مفتوحة معه وتعاملت معه باعتباره جزءاً أساسياً من التركيبة اللبنانية. وبالتالي، فإن