ينتظر رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع قداس شهداء المقاومة اللبنانية كل سنة، لتكون كلمته استثنائية. إذ يقول فيها ما لا يقوله في الأيام العادية، من مراجعة سياسية، وتنقية للذاكرة، وانتقاد لاذع للخصوم، وأحيانًا للحلفاء. وحتماً، هذه السنة لم تختلف كلمته عن الأعوام الأخرى، إلا بتوسيع هامش توجيه السهام التي طالت في العمق "حزب الله" والدولة العميقة وجانبًا من أداء رئيسَي الجمهورية والحكومة وقائد الجيش اللبناني. ومن يتأمل في تاريخ جعجع، لا بد أن يلاحظ أنه لا يتعايش مع أي خلل قد يصيب الشأن العام. ففي 12 آذار 1985، قام بانتفاضته الأولى على محاولات الرئيس أمين الجميل إخضاع "القوات اللبنانية" لسلطته، وفي 15 كانون الثاني 1986، خاض انتفاضته الثانية ضد رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات" الراحل إيلي حبيقة، بسبب توقيعه الاتفاق الثلاثي المحسوب سياسيًا على سوريا حافظ الأسد. ويبدو أنه هذه المرة أيضًا، أراد جعجع أن يكون قداس الشهداء الأيلولي محطة لإطلاق انتفاضته الثالثة. وهذا ليس مجرد كلام للتنظير، إذ قرأت مصادر قواتية مطّلعة في الاحتفالية السياسية الوجدانية، وما تضمنته الكلمة من سهام لاذعة في كل الاتجاهات، ما يشبه الانتفاضة على واقع سياسي رتيب ينتظر التطورات الإقليمية، فيما "القوات"، وفق ما أطلقه جعجع، تعارض هذا النهج، رغم ارتياحها لما يقوم به الرئيس جوزاف عون من مفاوضات وزيارات خارجية لتعزيز موقف لبنان في المجتمع الدولي، وقطع الطريق أمام إيران التي لطالما احتكرت الورقة اللبنانية وابتزّت بها دول القرار. انتفاضة جعجع الأكبر تمثّلت في انتقاده اللاذع للدولة العميقة. وتكشف مصادر "القوات" أنه تكلّم عنها للمرة الأولى بهذا الوضوح، وهي نقطة مفصلية في كلمته، لارتباطها بملف سلاح "الحزب" وعدم تنفيذ القرارات الحكومية. وبلغت الذروة في انتقاده مؤسسات وأجهزة وسلطات أمنية وعسكرية وقضائية، وقد نال منها قائد الجيش العماد رودولف هيكل حصّة، معتبرًا أنه يتصرّف وفق تقديراته الخاصة على حساب مرجعية الدولة والقانون والقرارات الحكومية. وأشارت المصادر إلى أن جعجع نأى برئيسَي الجمهورية والحكومة، رغم أنهما يتعايشان مع هذه الدولة العميقة، لأن معالجة الأمر لا يريدها عبر وسائل الإعلام، وهو يعتبر أنهما فهما الرسالة من كلمة شكّلت وسيلة ضغط بحد ذاتها. لكن خيار "القوات" سيكون مواجهة الدولة العميقة وحماتها في إطار مؤسساتي، لا عبر تهجّمات إعلامية ومعارك في الشارع، لافتة إلى أن هذا الأمر لا يشبه نهج "القوات"، التي تتمثّل في الحكومة والمجلس النيابي، وهما المكانان المناسبان للتغيير، إضافة إلى الاستحقاقات الدستورية الديموقراطية التي تعوّل عليها "القوات" في الدرجة الأولى لتغيير المشهد السياسي، بالتعاون مع حلفائها من أحزاب وشخصيات. لكن "المدن" علمت أن جعجع لم يرد من الأساس أن يوجّه انتقادات قاسية إلى عون، وخصوصًا أنه لا يريد إضعافه في المعركة ضد "حزب الله"، بل يريد المحافظة على دعمه له بكل قوة، وهذا ما يفعله عبر الزيارات المتكررة للنائب ملحم رياشي إلى القصر الجمهوري. وتكشف المصادر أن جعجع امتنع، في كل المحطات السابقة، عن التعليق على تغييب وزير الخارجية يوسف رجّي عن الزيارات الخارجية للرئيس، لكنه استفاد من المناسبة الكبيرة لإعادة الاعتبار إلى رجّي، عبر انتقاد المعالجة التي حصلت على خلفية قضية السفير الإيراني. ورغم هذه الانتقادات، تؤكد مصادر "القوات" أن كلام جعجع لا يعني أن الأمور ليست في طريقها إلى المعالجة، بل إن كلامه يشكّل دعوة للبدء بحملة لتسوية هذا الوضع غير المؤسساتي. وستُكمل "القوات"، وفق المصادر المطّلعة، معالجة الأمر مع الرئيس في لقاءات جانبية بدأت للتو. وتلفت مصادر "القوات" إلى أن جعجع سيستمر في دعم عون على صعيد اتفاق الإطار، وهو يعوّل عليه كثيرًا لإيقاف الحرب الحالية، وخصوصًا أنه مدعوم أميركيًا ودوليًا وعربيًا. وقد أكد في كلمته أنه الفرصة الوحيدة المتوفرة لإنهاء مسلسل الحروب المتكررة على الحدود الجنوبية، شرط أن تحزم الدولة أمرها لتحلّ الأجنحة العسكرية والأمنية الموجودة خارج الدولة، لبنانية كانت أم فلسطينية، وفي طليعتها أجنحة "الحزب". وهذه رسالة ضمنية من جعجع إلى الدولة بأنها إذا لم تحزم أمرها، سيفشل حلّ اتفاق الإطار، وسيكون البديل حربًا إسرائيلية ضارية ستفضي إلى إنهاء سلاح "الحزب"، لكن بكلفة عالية. وانتفاضة جعجع طالت الأمين العام لـ"الحزب" نعيم قاسم، الذي يهدد بغضب بيئته، وترى المصادر أن جعجع هدّد قاسم وحزبه بشارع آخر لا يقل غضبًا، إضافة إلى قطعه الطريق أمام تخويف اللبنانيين من الجيش السوري وإمكان التدخّل في لبنان. وقد أكد أن هذا الكلام ليس سوى شائعة، من موقع العارف، وخصوصًا بعد لقائه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الذي سمع منه كلامًا موثوقاً عن عدم رغبة سوريا في إق