شهد مجلس بلدية مونتريال مواجهة سياسية صاخبة انتهت بإسقاط محاولة لقطع العلاقات المؤسساتية مع إسرائيل، بعدما نجحت رئيسة البلدية في تمرير تعديلات جوهرية حذفت اتهامات «الفصل العنصري» و«الإبادة الجماعية»، وألغت الدعوة إلى قطع العلاقات معها، لتقتصر الصيغة النهائية على إعلان تضامن عام مع الفلسطينيين وجميع الضحايا المدنيين في الشرق الأوسط. وبحسب تقرير للصحافي دانيال أرازي في موقع "mako" الإسرائيلي، أقرّ مجلس بلدية مونتريال النص المعدّل بأغلبية 54 صوتاً مقابل 6 معارضين، بعد ساعات من النقاشات المتوترة، إلا أن هذا التصويت جاء بعد مواجهة حادة حول مضمون الاقتراح الأصلي الذي كانت قد تقدمت به المعارضة. وقبل التصويت النهائي، وافق المجلس بأغلبية 38 صوتاً مقابل 22 على سلسلة تعديلات واسعة قادتها رئيسة بلدية مونتريال سورايا مارتينيز فيرادا، أدت عملياً إلى تفريغ الاقتراح الأصلي من البنود التي كانت تستهدف فرض مقاطعة مؤسساتية على إسرائيل. وكانت كتلة المعارضة «بروجيه مونتريال» قد تقدمت باقتراح يدعو بلدية مونتريال إلى الاعتراف رسمياً بما وصفته بـ«نظام فصل عنصري» و«إبادة جماعية» في فلسطين وإدانتهما. ولم يقتصر الاقتراح الأصلي على الجانب السياسي أو الرمزي، بل طالب بقطع وتعليق جميع العلاقات المؤسساتية والدبلوماسية والاقتصادية للبلدية، وبشكل فوري، مع حكومة إسرائيل ومؤسساتها وسلطاتها المحلية. وكان من شأن هذا المسار أن يؤدي إلى حظر شامل على دعوة ممثلين إسرائيليين رسميين إلى مبنى البلدية، ومنع المسؤولين المنتخبين محلياً من قبول هدايا أو وجبات أو المشاركة في بعثات تتم برعاية إسرائيل. لكن خلال الجلسة التي امتدت ساعات طويلة حتى الليل، وترافقت مع احتجاجات لمتظاهرين مؤيدين للفلسطينيين خارج مبنى البلدية، تحركت مارتينيز فيرادا لوقف الاقتراح بصيغته الأصلية. وشددت رئيسة البلدية على أن إدارة السياسة الخارجية وإصدار أحكام قانونية دولية لا يدخلان ضمن صلاحيات سلطة بلدية محلية، معتبرة أن مسؤولية الحكم البلدي تتركز على الحفاظ على الهدوء والتماسك الاجتماعي وأمن جميع السكان. وقالت خلال المواجهة مع أعضاء المعارضة: «نحن لسنا محكمة العدل الدولية، ولسنا المحكمة الجنائية الدولية». وأضافت: «الاعتراف بحدود مؤسستنا لا يعني غضّ النظر عن المعاناة في غزة، وهو بالتأكيد ليس مؤشراً إلى اللامبالاة. عندما نقود، فإننا نقود من أجل الجميع، وليس من أجل طرف واحد أو مجموعة واحدة أو فقط من أجل أولئك الذين يصرخون بصوت أعلى». أما النص النهائي المخفف الذي أقرّه المجلس، فحذف بالكامل عبارتي «الفصل العنصري» و«الإبادة الجماعية»، كما أسقط المطالبة بقطع العلاقات مع إسرائيل. وبدلاً من ذلك، عبّر النص عن تضامن عام مع الشعب الفلسطيني ومع ضحايا الأعمال العدائية في الشرق الأوسط، ودعا الحكومة الفيدرالية في أوتاوا وحكومة كيبيك إلى إظهار القيادة في الدفع نحو حلول دبلوماسية. كما أدان النص بصورة صريحة مظاهر معاداة السامية والإسلاموفوبيا، وأوضح أنه لا يجوز تحميل الجالية اليهودية المحلية أو السكان من أصول إسرائيلية مسؤولية أفعال دولة إسرائيل. وفي صفوف المعارضة، لم تُخفِ كتلة «بروجيه مونتريال» خيبة أملها الكبيرة بعد إسقاط جوهر الاقتراح الأصلي. وأقرت عضوة المجلس ناتالي غولا، التي قدمت الاقتراح، بأن النص النهائي «تم تخفيفه بصورة كبيرة»، لكنها أوضحت أن كتلتها قررت عدم سحبه بهدف «ترك بصمة». أما عضو المجلس أليكس نورايس، فتبنى موقفاً أكثر حدة، محاولاً المقارنة بين إسرائيل وروسيا، وقال: «إذا كنا ندين الجرائم ضد الإنسانية عندما ترتكبها روسيا، فعلينا أن ندينها أيضاً عندما ترتكبها إسرائيل». في المقابل، صوّت الأعضاء الـ6 المنتمون إلى كتلة «أونسامبل مونتريال» ضد الاقتراح برمته، معربين عن اعتراضهم على مجرد تناول هذا الملف داخل المجلس البلدي. وأثارت المواجهة داخل البلدية جدلاً واسعاً في الأوساط العامة واليهودية في كندا، إذ مارست منظمات يهودية بارزة، بينها «بني بريث كندا» ومركز شؤون إسرائيل واليهود «CIJA»، ضغوطاً على أعضاء المجلس وطالبتهم بوقف الاقتراح بصيغته الأصلية. وحذرت هذه المنظمات من أن نقل الصراع إلى الساحة البلدية من شأنه أن يؤدي إلى تصعيد حاد في مظاهر معاداة السامية محلياً. وبعد انتهاء التصويت، رحبت المنظمات بإزالة ما وصفته باللغة المتطرفة والخطيرة من النص، وبقرار المجلس عدم تحويل مونتريال إلى منصة لاستهداف إسرائيل. وتأتي هذه المواجهة، بحسب التقرير، في ظل ما وصفه بموجة غير مسبوقة من معاداة السامية تضرب كندا منذ اندلاع الحرب. وفي تورونتو ومونتريال، أشار التقرير إلى أن حوادث العنف ضد اليهود باتت متكررة، بدءاً من مؤسسات تجارية ومخابز يملكها يهود تعرضت لإطلاق نار واستخدام أسلحة نارية، مروراً بإحراق مطاعم كوشير