تعتبر منطقة أمهرة، التي يقطنها نحو 24 مليون نسمة، نفسها قلب إثيوبيا التاريخي، فيما تشكل الأمهرية لغة العمل للحكومة الفيدرالية وإحدى أكثر اللغات انتشاراً في البلاد. ومنذ ثلاث سنوات، تخوض المنطقة صراعاً متزايد الحدة مع حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي يهيمن على الحياة السياسية الوطنية منذ عام 2018. وفاز حزبه "الازدهار" مجدداً في الانتخابات التي جرت في 1 حزيران/يونيو الماضي، محققاً انتصاراً كاسحاً بحصوله على نحو 90% من المقاعد، رغم أن الاقتراع لم يشمل تيغراي وأجزاء من أمهرة وأوروميا بسبب الأوضاع الأمنية. ومع ذلك، تبدو إثيوبيا اليوم أمام واحدة من أكثر مراحلها السياسية تعقيداً. أثار آبي أحمد، الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2019، آمالاً هائلة لدى توليه السلطة، إذ كان رمزاً للإصلاح والانفتاح والسلام، لكنه بات يواجه اليوم خصوماً كانوا بالأمس حلفاء، فيما تتقاطع التوترات في أمهرة وتيغراي وأوروميا مع صراعات إقليمية تتجاوز حدود البلاد. والأكثر إثارة للقلق هو التحول في العلاقة بين "حركة فانو" الأمهرية وقوى في تيغراي مرتبطة بـ"جبهة تحرير شعب تيغراي". ففي الحرب بين عامي 2020 و2022، قاتلت "فانو" إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية والقوات الإريترية ضد قوات تيغراي، قبل أن ينقلب المشهد تدريجاً بعد انتهاء الحرب. آبي أحمد يبدو ببساطة كمن حوّل بعض حلفائه إلى أعداء بيده، وهذا ليس مجرد سوء حظ، وإنما نتيجة لسياسة تميل إلى الإقصاء أكثر من الاستيعاب. واليوم قد يجد الخصمان التاريخيان في آبي أحمد عدواً مشتركاً يدفعهما إلى التنسيق ضد الحكومة المركزية، رغم أن هذا التقارب لا يزال هشاً ومحكوماً بخلافات عميقة. ولا تقتصر هذه التحركات على أمهرة وتيغراي، إذ ينشط أيضاً "جيش تحرير أورومو" إلى جانب جماعات مسلحة وسياسية أخرى، ما يفتح الباب أمام تعدد الجبهات التي تستنزف حكومة آبي أحمد. وتزداد خطورة هذا التحول مع صعود "فانو" كأحد أبرز الفاعلين في إقليم أمهرة، بعدما انتقلت من حليف للقوات الحكومية خلال حرب تيغراي إلى خصم رئيسي لها، وتحظى بدعم واسع، خصوصاً في المناطق الريفية. عندما وصل آبي أحمد إلى السلطة، أطلق سراح سجناء سياسيين، ووسّع هامش الحريات، وأبرم اتفاق سلام مع إريتريا، قبل أن يحصل على نوبل للسلام. لكن الجائزة التي مُنحت لرجل لم يكن قد أكمل عامه الثاني في السلطة بدت لاحقاً رهاناً مبكراً على مستقبل لم يتحقق، بعدما دفعت إثيوبيا ثمناً دموياً باهظاً في السنوات التالية. ومع الوقت، اتجهت الحكومة نحو سياسات أكثر مركزية، ما أثار مخاوف خصومها من تركيز السلطة في أديس أبابا. كما عززت هيمنة حزب الازدهار على البرلمان المخاوف بشأن تراجع التوازن بين المركز والأقاليم. وفي أمهرة، لم يكن قرار تفكيك القوات الخاصة الإقليمية وإعادة دمج أفرادها في الجيش أو الشرطة سوى الشرارة التي فجرت توترات أعمق. فالإقليم ينظر إلى نفسه بوصفه قلب إثيوبيا التاريخي، فيما ارتبطت اللغة الأمهرية طويلاً بمؤسسات الدولة والإدارة، ولذلك رأت قطاعات من سكانه في سياسات المركز محاولة لتقليص نفوذها. رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يصل لاستقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مطار بولي الدولي بأديس أبابا، في 13 أيار/مايو 2026. (أ ف ب) والمتابع للشأن الإثيوبي يجد أن هذا البلد الأفريقي يشبه اليوم قوساً شُدّ حتى آخره، ولا أحد يعرف متى ينكسر، لكن الجميع يعرف أنه لن يعود بسهولة إلى شكله الأول. وتقارب الفصائل المناوئة للحكومة، التي لم تعد جميعها تتحرك منفردة، لا يعني اختفاء الخلافات التاريخية بينها. فلا تزال قضايا الأراضي والحدود، وخصوصاً المناطق المتنازع عليها، مصدر توتر عميق بين أمهرة وتيغراي. ومع ذلك، قد يفرض منطق "عدو عدوي صديقي" تعاوناً موقتاً يجعل إضعاف آبي أحمد هدفاً مشتركاً، من دون أن يعني امتلاك هذه القوى رؤية واحدة لمستقبل البلاد. فإذا كان اتفاق بريتوريا الموقع عام 2022 قد أوقف المعارك واسعة النطاق، فإنه لم يحسم ملفات الأراضي المتنازع عليها، وعودة النازحين، ونزع السلاح، والحكم المحلي والمساءلة عن الانتهاكات. ومع عودة التوتر في الشمال، تتزايد المخاوف من تجدد القتال. تطرح الحكومة تعزيز السلطة التنفيذية باعتباره وسيلة لبناء دولة أكثر تماسكاً وقدرة على فرض القانون، فيما يراه خصومها محاولة لتركيز القرار السياسي وإضعاف التوازن الفيدرالي. والحقيقة التي لا يقولها أحد بصراحة أن مسار آبي أحمد يوحي بأنه يبني سلطته داخل دولة تتشقق أكثر مما يبني دولة متماسكة. فبناء "دولة قوية" لا يعني بالضرورة بناء "حاكم أقوى". لذلك فإن استقرار إثيوبيا يتطلب مؤسسات مستقلة، وقضاءً قادراً على العمل، وانتخابات ذات مصداقية، وضمانات دستورية تتيح حل الخلافات بعيداً عن السلاح. ولا يعني الوضع الحالي أن إثيوبيا تتجه حت