أفاد مصدر خاص لـ"المدن" بأن هناك تجهيزات لإجراء تغييرات وزارية كبيرة في الحكومة السورية قريباً، بعد انعقاد جلسة مجلس الشعب، لكن أهمية التعديل لن تكون في عدد الوزراء الذين سيغادرون الحكومة، بقدر ما ستكون في توقيته. فسوريا تدخل مرحلة مختلفة عن تلك التي تشكلت فيها الحكومة السابقة. في البداية، كان المطلوب من السلطة الجديدة أن تمسك بالدولة قبل أن تسقط معها مؤسساتها. كانت الأولوية للأمن، واستمرار عمل الوزارات، ومنع الفراغ، وإبقاء الإدارة السورية واقفة على قدميها في بلد خرج من عقود من الحكم والحرب. أما اليوم، فبدأت الأسئلة تتغير؛ لم يعد يكفي أن تبقى الدولة موجودة، فالمطلوب أن تعمل، وهذا في بلد مثل سوريا أصعب بكثير من الوصول إلى السلطة نفسها. الحكومة الحالية لم تأتِ في ظروف عادية، ولذلك لا يمكن النظر إلى أدائها بمعايير حكومة مستقرة. ففي الأشهر الأولى بعد سقوط النظام، كان كل شيء تقريباً يحتاج إلى قرار سريع: مؤسسات ضخمة تعمل بعقلية قديمة، موظفون لا يعرفون ماذا سيحدث، اقتصاد منهك، ملفات أمنية مفتوحة، وعلاقات خارجية تحتاج إلى إعادة بناء. في تلك المرحلة، كانت الثقة السياسية عاملاً مهماً، والسلطة الجديدة احتاجت إلى أشخاص تعرفهم وتثق بهم، وأشخاص قادرين على العمل في ظروف لا توجد فيها قواعد ثابتة. لكن لكل مرحلة رجالها؛ فالشخص الذي يستطيع إدارة لحظة انتقالية ليس بالضرورة الشخص الأفضل لإدارة وزارة بعد أن تبدأ الدولة بالاستقرار، والشخص الذي ينجح في منع مؤسسة من الانهيار قد لا يكون الشخص نفسه القادر على تطويرها. كما أن التعديل المحتمل قد يكشف أيضاً شيئاً مهماً عن شكل العلاقة داخل السلطة. ففي المرحلة الأولى، من الطبيعي أن يكون مركز القرار السياسي شديد التركيز؛ فالدولة تمر بمرحلة حساسة، والقرارات الكبرى تحتاج إلى مرجعية واضحة. لكن مع مرور الوقت، تصبح إدارة كل التفاصيل من مركز واحد مهمة شبه مستحيلة، فالاقتصاد وحده يحتاج إلى عشرات القرارات، والخدمات تحتاج إلى تنسيق بين وزارات، والاستثمار يحتاج إلى قوانين وتفاوض وعلاقات. ولهذا تحتاج الدولة إلى وزراء لديهم هامش للعمل، لكن هنا تظهر مشكلة أخرى: كلما أصبح الوزير أقوى، أصبح لديه مجال أكبر لبناء شبكة خاصة من العلاقات، وهذا ما يجعل أي سلطة جديدة حذرة. في السياسة، الثقة ضرورية، لكن الاقتصاد لا يفهم كثيراً في الثقة؛ فالمستثمر يريد قوانين واضحة، ورجل الأعمال يريد إدارة تستطيع اتخاذ قرار، والموظف يريد مؤسسة تعرف ما الذي تريده، والمواطن يريد أن يشعر بأن الحكومة موجودة في حياته اليومية، لا فقط في نشرات الأخبار. هنا تبدأ مشكلة أي حكومة انتقالية. في البداية تستطيع السلطة أن تطلب من الناس الصبر، وأن تشرح صعوبة الظروف، وأن تضع كثيراً من الأخطاء تحت عنوان "المرحلة الاستثنائية"، لكن هذا الهامش لا يبقى مفتوحاً إلى الأبد. بعد فترة يبدأ السؤال الذي لا تحبه أي حكومة: ماذا أنجزتم؟ وهنا تصبح الكفاءة أكثر أهمية. ليس بالضرورة أن يكون الوزير الجديد مشهوراً أو صاحب حضور سياسي كبير. ربما تحتاج المرحلة المقبلة إلى شخص يعرف كيف يدير مؤسسة، وكيف يتعامل مع موظفين وميزانية وقوانين واستثمارات، فالدولة لا تُدار دائماً من المنصة السياسية. كما أفاد مصدر خاص لـ"المدن" أن التغيير الوزاري ينتظر مجلس الشعب الذي ما زال يستكمل لجانه الداخلية وإقرار أنظمته الداخلية. فالمجلس، بغض النظر عن شكل دوره وصلاحياته في المرحلة الحالية، يمثل خطوة في اتجاه إعادة بناء الحياة المؤسسية؛ فوجود مجلس يعني أن هناك مؤسسة تشريعية بدأت تدخل المشهد. والحكومة لم تعد وحدها في الواجهة؛ لهذا، فإن إجراء تعديل بعد جلسة للمجلس قد يكون محاولة لفتح المرحلة الجديدة بحكومة أكثر انسجاماً مع المؤسسات التي بدأت تتشكل. ربما لا يتغير الكثير فوراً، لكن الرمزية هنا مهمة. في المرحلة الأولى، كانت السلطة تبني المؤسسات، أما الآن فتبدأ المؤسسات نفسها بالظهور والعمل. فوجود مجلس الشعب سيجعل الحكومة، ولو تدريجياً، أكثر عرضة للسؤال والمساءلة. وسيبدأ السؤال عن نتائج الوزارات وعن الخطط وعن الإنفاق والخدمات، وهذا أمر طبيعي في أي دولة تحاول الخروج من المرحلة الانتقالية؛ فالحكومة ستصبح مطالبة ليس فقط بأن تكون موجودة، بل بأن تشرح ماذا تفعل. وأفاد المصدر لـ"المدن" بأن التعديل الوزاري هو رسالة إلى الداخل وإلى الوزراء، ورسالة إلى المجتمع بأن لا أحد يملك موقعه إلى الأبد. كما أفاد مصدر خاص لـ"المدن" أن الوزارات التي ترتبط بالاقتصاد والطاقة ستكون على رأس حزمة التغييرات، لأن الاقتصاد هو العامل الأكثر ضغطاً على الحكومة في المرحلة المقبلة. فالملفات السياسية يمكن أن تتحمل وقتاً أطول، ويمكن التفاوض عليها، ويمكن تأجيل بعضها، ويمكن البحث عن تسويات. لكن الاقتصاد موجود كل يوم؛ لهذا، فإن أي حكومة سورية