"البديل" يصدّع جدار المحظورات الألماني قادة "البديل" خلال احتفالهم بالفوز أمس (أ ف ب) لم يفز حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني الحازم في ساكسونيا - أنهالت فحسب، بل كسر حاجزًا سياسيًا ونفسيًا ظلّ قائمًا في ألمانيا طوال عقود طويلة. حصول "البديل" على قرابة 44 في المئة من الأصوات، مقابل نحو 18 في المئة للاتحاد المسيحي الديموقراطي المحافظ، وما دون الـ 10 في المئة لكلّ حزب من بقية الأحزاب الوسطية واليسارية، ليس احتجاجًا عابرًا ولا تصويتًا عقابيًا محدودًا. إنه تحوّل عميق في المزاج الشعبي، خصوصًا في شرق البلاد، حيث بات جزء متزايد من الناخبين يبحث عن يمين أكثر حزمًا في ملفات الهجرة والهوية والأمن والثقافة. تبدو عبارة رئيس فرع "البديل" في ساكسونيا - أنهالت ومرشّحه لرئاسة حكومة الولاية أولريش زيغموند "لقد صنعنا التاريخ" أبعد من مجرّد نشوة انتخابية. التاريخ الذي يتحدّث عنه هو انتقال "البديل" من موقع الحزب المطوّق بـ "الجدار العازل" إلى قوّة أولى تطالب بحقّها في الحكم. وحين تعتبر الرئيسة المشاركة لـ "البديل" أليس فايدل النتيجة "تفويضًا واضحًا بتشكيل الحكومة"، فهي تضع الأحزاب التقليدية أمام سؤال لم يعد ممكنًا الهرب منه: إلى متى يمكن عزل حزب يصوّت له ما يقارب نصف الناخبين؟ صعود "البديل" لا يمكن فصله عن ملف الهجرة. فالحزب بنى جزءًا أساسيًا من تقدّمه على شعور متنامٍ لدى قطاعات وشرائح ألمانية بأن سياسات الهجرة المتعاقبة لم تؤثّر على سوق العمل والتركيبة السكانية فقط، بل بدأت تمسّ شكل المجتمع نفسه وقيمه وهويته الثقافية. الخشية من أن يتغيّر وجه ألمانيا إلى الأسوأ تحوّلت من نقاش كان يُدفع طويلًا إلى الهامش إلى قوّة انتخابية قادرة على قلب موازين السلطة. لهذا، جاءت تعهّدات زيغموند بشأن تكثيف عمليات ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، والسعي إلى إعادة ألمان يعيشون في الخارج، وتشجيع العائلات على الإنجاب. إنها في جوهرها محاولة لتقديم جواب عن سؤال ديموغرافي وسياسي واحد: كيف تحافظ ألمانيا على استمراريّتها السكانية من دون أن يصبح تعويض النقص الديموغرافي مرادفًا تلقائيًا لاستقدام مزيد من المهاجرين الذين بدأوا يشكّلون خطرًا وجوديًّا على الألمان؟ ويتجاوز التغيير ملف الهجرة إلى ما يسمّيه "البديل" مواجهة ثقافة "الووك". فالحزب يخوض حربًا ثقافية ضدّ ما يعتبره فرضًا لأجندات "الووك" المؤدلجة على المجتمع. والتعهّد باستبدال أعلام قوس القزح في المدارس بالعلم الألماني يختصر جزءًا من هذه المواجهة. وبالنسبة إلى اليمينيين، القضية ليست علمًا في مدرسة، بل استعادة للرمز الوطني ولمفهوم الهوية الألمانية الذي ظلّ لعقود مهمّشًا بسبب إرث النازية والحرب العالمية الثانية. وهنا تحديدًا تكمن قوّة "البديل" وخطورته على الأحزاب التقليدية. فهو يتطرّق إلى مسائل امتنعت السياسة الألمانية السائدة طويلًا عن مقاربتها بهذه الصراحة. وفي شرق ألمانيا، يضاف إلى ذلك شعور متراكم بأن الوحدة التي أعقبت سقوط جدار برلين لم تحقّق مساواة اقتصادية واجتماعية كاملة، وأن الغرب الألماني ظلّ صاحب اليد العليا في تحديد اتجاه البلاد. لذلك، فإنّ الخاسر الأكبر ليس حزبًا بعينه، بل عقلية سياسية كاملة. يمتزج الاعتراض على الهجرة والهوية بإحساس أوسع بالتمرّد على المؤسّسة السياسية التقليدية. والاختبار الآن أمام المستشار فريدريش ميرتس والاتحاد المسيحي الديمقراطي. فإذا اكتفت الأحزاب التقليدية بمحاصرة "البديل" سياسيًا، من دون معالجة الأسباب التي تدفع الناخبين نحوه، فقد تتحوّل ساكسونيا - أنهالت من استثناء شرقي إلى شرارة تفجّر تحوّلًا ألمانيًّا واسعًا وسريعًا. أما طموح زيغموند إلى نقل "الثورة السياسية" من ولايته إلى المستوى الوطني عام 2029، فلم يعد، بعد نتيجة الأحد، مجرّد شعار انتخابي بعيد المنال.