بينما تبادلت الولايات المتحدة وإيران الضربات في مضيق هرمز خلال الأشهر الماضية، كانت القوات الأميركية تنفذ عملية أخرى شديدة السرية في مياه المضيق، هدفها إزالة الألغام التي تهدد حركة الملاحة في هذا الممر البحري الحيوي. فقد أرسلت الولايات المتحدة في الغالب خلال ساعات الليل، غواصين من قوات "سيل" التابعة للبحرية الأميركية، وقوارب آلية ومركبات متخصصة للعمل تحت سطح الماء، في مهمة لإزالة الألغام استمرت أربعة أشهر، وفق تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز"، الأحد. فيما جرت عمليات التخلص من العبوات المتفجرة تحت الماء وفي الظلام، في محاولة لإزالة أحد أبرز العوامل التي دفعت السفن إلى تجنب نقل الشحنات الحيوية عبر المضيق، منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران في فبراير، بحسب أشخاص مطلعين على العملية. سفن في مضيق هرمز قبالة سواحل بندر عباس جنوب إيران (أ ف ب، 5 سبتمبر 2026) بالأساس، تُعد عملية إزالة الألغام من منطقة بحرية، حتى في أوقات السلم، مهمة شاقة ودقيقة قد تستغرق أشهراً، إذ يتعين على سفن متخصصة التحرك ذهاباً وإياباً عبر الممر المائي، وقطع الألغام من مراسيها، ثم إطلاق النار عليها عندما تبدأ في الطفو. لكن العملية الأميركية في هرمز اتخذت مساراً مختلفاً، فقد عمل غواصو البحرية الأميركية ضمن فرق صغيرة باستخدام زوارق ذات هياكل قابلة للنفخ، وحددوا مواقع الألغام الإيرانية بمساعدة قوارب آلية ومركبات غاطسة، مثل "السفينة السطحية المشتركة غير المأهولة" التابعة للبحرية الأميركية، والتي تستخدم أجهزة سونار تُجر خلفها لمسح قاع البحر ورصد الألغام. وتحتوي هذه الأجهزة على مستشعرات سونار عالية الدقة تعمل بالنظر الجانبي، ويمكنها رصد أجسام مثل الألغام الموجودة في قاع البحر بدرجة مذهلة من الوضوح، ويتيح ذلك لها تمشيط مساحات واسعة مع تقليل المخاطر التي يتعرض لها أفراد الطواقم إلى أدنى حد، وفق ما ذكر التقرير. لكن تحديد موقع اللغم لا يعني انتهاء المهمة، إذ تأتي بعد ذلك المرحلة الأكثر خطورة، إذ قال بيل هامبلِت، وهو نقيب متقاعد في البحرية الأميركية، إنه "عادة ما يتبع ذلك غواص من البحرية يتعين عليه النزول إلى الماء والاقتراب من اللغم، ثم وضع عبوة متفجرة عليه وتدميره"، واصفاً القوة المستخدمة في هذه العمليات بأنها "قوة صغيرة جداً وخفيفة الوزن". مروحية إم إتش-60 إس سي هوك تستعد للهبوط على حاملة الطائرات الأميركية (رويترز، 14 أغسطس 2026) كما أضاف أن الولايات المتحدة ربما نفذت بعض عملياتها انطلاقاً من السفينة "يو إس إس ميغيل كيث"، وهي قاعدة عائمة متنقلة للبعثات الاستكشافية تابعة للقوات البحرية الأميركية في الخليج، كما يمكن استخدام المركبات الغاطسة الآلية لتدمير الألغام بالمتفجرات. أما برايان كلارك، خبير إزالة الألغام في معهد هدسون، فقال إن هذه الأنظمة قد تشمل "سي فوكس" البريطانية، أو المنظومة الأميركية الأحدث "AN/ASQ-235 آرتشر فيش". علماً أنه منذ اندلاع الحرب، أعلنت طهران أنها زرعت ألغاماً داخل مضيق هرمز لمنع عبور السفن، فيما قدرت المنظمة البحرية الدولية وجود نحو 80 لغماً جرى وضعها في ممرات الشحن الحيوية. المدمرة الأميركية يو إس إس رافائيل بيرالتا (أ ف ب ، 4 أغسطس 2026) لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكد قبل أيام أن جميع الألغام البحرية في المضيق قد أُزيلت من "المياه الدولية"، في إشارة على الأرجح إلى الممر الملاحي التقليدي الذي تستخدمه السفن التجارية منذ عقود بموجب القانون الدولي. كما أعلنت واشنطن أن أكثر من 200 جسم يشبه الألغام أزيل من الممر الرئيسي، لكن الفحص أظهر أن 11 منها فقط كانت ألغاماً فعلية، فيما كان عدد محدود منها موضوعاً بطريقة صحيحة، وفق مسؤولين أميركيين تحدثوا إلى "أكسيوس" أواخر الشهر الماضي. ورغم خطورة المهمة، لم يتم الإبلاغ عن وقوع خسائر بشرية أميركية مرتبطة تحديداً بعملية إزالة الألغام، في حين قال كلارك إن "قوات إزالة الألغام تكون عرضة للخطر، لأن العملية بطيئة، ولأن الزوارق أو المروحيات المشاركة فيها تفتقر إلى وسائل دفاعية كافية". تطهير مضيق هرمز من الألغام (تعبيرية) كذلك لا تقتصر المخاطر على الألغام، فهناك أيضاً هجمات إيران بالصواريخ والطائرات المسيرة، لكن مجرد احتمال وجود ألغام في المضيق، حتى لو لم تكن موجودة فعلياً، كان كافياً لإخافة ملاك السفن ودفع شركات التأمين إلى فرض أسعار باهظة للغاية للتغطية، وفق ما ذكرت "فايننشال تايمز". هذا ووصلت تكلفة التأمين إلى نحو عشرة أضعاف مستويات ما قبل الحرب، وبالنسبة إلى ناقلة نفط عملاقة نموذجية، قد يعني ذلك تكلفة تأمين تبلغ نحو 10 ملايين دولار. وأدى هذا التهديد إلى فتح جبهة أخرى من الصراع ممثلاً في "حرب المعلومات"، فطهران رفضت تأكيدات واشنطن بشأن إزالة الألغام، وقال نائب وزير خارجيتها