في "مبروك التحرير"، لا تتوقف المخرجة داليا فتح الله عند لحظة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، بل تتابع ما جاء بعدها، من خلال عائلة أُبعدت عن كفرحمام وعادت إليها بعد 22 عامًا. ومن خلال رحلة العودة، يفتح الفيلم مساحة للتأمل في معنى استعادة المكان بعد سنوات من الغياب. وبين مشاهد العودة وتفاصيل الحياة اليومية، يرصد الفيلم كيف تستعيد القرية إيقاع حياتها تدريجيًا، وكيف يتعامل أهلها مع ما تركه الاحتلال في المكان وفي ذاكرتهم وعلاقاتهم. فلا تبدو كفرحمام في الفيلم مجرد موقع للأحداث، بل مكانًا يحمل آثار الماضي ويشهد في الوقت نفسه على محاولة استعادة الحياة. ومن خلال هذه التفاصيل، يتجاوز "مبروك التحرير" توثيق لحظة التحرير، ليطرح أسئلة عمّا يأتي بعدها: كيف تُستعاد الحياة في قرية عاشت سنوات من الإبعاد والاحتلال؟ ماذا يبقى من الاحتلال بعد رحيله؟ وما دور الدولة في إعادة الإعمار والتعويض؟ يبدأ الفيلم بمشهد عودة عائلة إلى كفرحام، قادمين من بيروت، في لحظة تختلط فيها فرحة التحرير بفرحة استعادة البيت والمكان. كانت العائلة قد أُجبرت على مغادرة القرية إلى بيروت خلال فترة الاحتلال، فيما كان أحد أبنائها من المقاومين والمعتقلين سابقًا في معتقل الخيام. لذلك، لا تبدو عودتهم في الفيلم مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل استعادة لجزء من حياة انقطعت لسنوات. ترافق العودة مظاهر الاحتفال بانسحاب الاحتلال، فيما يتوافد الأهالي إلى القرية ويتفقدون بيوتهم. يدخل بعضهم إلى المنازل التي غابوا عنها سنوات، يبحثون بين جدرانها عن تفاصيل يعرفونها، ويستعيدون ذكريات عاشوها فيها قبل الاحتلال. ولا تقتصر مشاهد العودة على البيوت. فالفيلم يلتقط أيضًا لحظات لقاء الأهالي ببعضهم بعد سنوات من الفراق؛ عناق، دموع، وضحكات تختلط فيها مشاعر الفرح بالعودة مع ثقل السنوات التي مرت بعيدًا عن القرية. في هذه المشاهد، يصبح اللقاء بين الناس جزءًا أساسيًا من معنى التحرير، إذ لا تعود الأرض وحدها إلى أهلها، بل يعود أهلها أيضًا إلى بعضهم وإلى تفاصيل حياتهم التي انقطعت. وتبدو الذكريات حاضرة في هذه العودة بقدر حضور المكان نفسه. فبينما يتفقد الأهالي منازلهم ويتحدثون عن حياتهم فيها قبل الاحتلال، يستعيدون شيئًا من الماضي الذي ظل حاضرًا رغم سنوات الغياب. ومن خلال هذه التفاصيل، يقدّم الفيلم العودة كخطوة أولى نحو استعادة الحياة، لا كحدث ينتهي بمجرد الانسحاب، بل كبداية لمحاولة إعادة بناء علاقة الناس بمكانهم وبحياتهم فيه. لم يكن اختيار داليا فتح الله لكفرحمام مخططًا له منذ البداية، بل جاء إلى حدّ ما عن طريق الصدفة. كانت تعمل في القرية ضمن مشروع مع هيئة الإغاثة، في مرحلة التحضير للتحرير، وهناك بدأت علاقتها بالمكان وأهله. ومع اقتراب لحظة التحرير، جاء اقتراح تصوير عائلة خلال عودتها إلى القرية ومواكبة ما سيحدث معها بعد سنوات من الإبعاد. من هنا بدأت فكرة الفيلم تتشكل تدريجيًا، وتحولت كفرحمام من مكان تعمل فيه المخرجة إلى مساحة تتابع فيها حياة الناس وتفاصيل مرحلة جديدة بدأت مع التحرير. خلال التصوير، اختارت فتح الله أن تبقى قريبة من الأحداث من دون أن تتدخل فيها، وأن تترك للناس مساحة للتعبير عن تجاربهم ومواقفهم كما هي. أخذت دور المراقب لما يجري، تتابع الحياة اليومية والتغيرات التي كانت تشهدها القرية، وتحاول أن تلتقط وجهات النظر المختلفة من دون أن تضع أحكامًا مسبقة على أصحابها. وهذا الأمر لم يكن سهلًا، خصوصًا أن القرية كانت تعيش مرحلة حساسة، وأن آثار سنوات الاحتلال وما رافقها من انقسامات كانت لا تزال حاضرة في العلاقات بين الناس. ومع مرور الوقت، ساعد هذا الأسلوب على بناء علاقة من الثقة بينها وبين أهل القرية. لم تدخل إلى المكان لتفرض رواية واحدة أو لتصنف الناس وفق مواقفهم السابقة. واستمر وجودها في كفرحمام نحو سنة ونصف، فيما امتدت فترة التصوير لنحو ثمانية عشر شهرًا، ما أتاح لها أن تتابع القرية ليس فقط في لحظة التحرير، وإنما في الأيام والأشهر التي تلتها. وهذا الزمن الطويل في التصوير أعطى الفيلم فرصة لالتقاط ما قد لا يظهر في تسجيل سريع للحظة التحرير: العلاقات التي بدأت تتشكل من جديد، وطريقة تعاطي الأهالي مع بعضهم، والتغيرات التي طرأت على القرية، والأسئلة التي بقيت مفتوحة بعد انتهاء الحدث الذي انتظره أهلها سنوات طويلة. حين تستعيد القرية إيقاع حياتها لا يقدّم الفيلم عودة الأهالي إلى كفرحمام باعتبارها نهاية القصة، بل يتابع كيف بدأت القرية تستعيد إيقاع حياتها شيئًا فشيئًا. تظهر هذه العودة في تفاصيل بسيطة ويومية، من زراعة الأرض وإعادة ترتيب البيوت، إلى إعادة تنظيم حياة العائلات ومحاولة استعادة العادات التي كانت جزءًا من الحياة قبل الاحتلال. ومع الوقت، تتسع الصورة لتشمل الأفراح وحفلات الزفاف، وتظهر الحياة العامة