ما الجديد في فيلم تبحث فيه المرأة عن حقوقها في مجتمع ذكوري لا يمنحها حتى الاعتراف بالمساواة؟ لقد فعلتها السينما المصرية كثيرا على مدى تاريخها الطويل، من أول "عدو المرأة" و"بنات حواء" و"للنساء فقط" وحتى فيلم "الاتحاد النسائي" وقد تراوحت تلك المعالجات بين الاحتجاج والإدانة أو حتى التمرد على هذا الواقع، فما الجديد إذن في فيلم "الست لما.. فيتو" المعروض حاليا في كثير من صالات السينما داخل مصر وخارجها؟ ولماذا كل هذا الجدل الذي صاحب أسابيع عرضه؟ وهل تخلُف صناع الفيلم عن حضور عرضه الخاص يصل إلى ما يمكن اعتباره تبرؤا من فيلم شاركوا فيه أم هي مجرد صدفة سعى منتقدو الفيلم إلى تأويلها لصالح موقفهم منه لا سيما وأن أيا ممن شاركوا فيه لم يعلنوا موقفا سلبيا من هذا العمل؟ قد يكون مفهوما أو حتى مطلوبا أن يثير فيلم ما جدلا أو يحرك راكدا أو يُحدث حراكا مجمتعيا، لكن ليس مقبولا على الإطلاق أن يكون الطرح مباشرا وسطحيا، فتتوه الأفكار الجيدة – حتى لو تكررت – في غمرة سعي صناعه للبحث عن الكوميديا مهما كان الثمن أو عظمت التنازلات. والأمر المدهش أن الفيلم تتصدر لائحة أبطاله الممثلة يسرا بكل ما يسبقها من تاريخ وقيمة وعطاء فني متميز، صحيح أن مؤلفيه مصطفى بدوي وكيرلس فوزي، ومخرجه خالد أبو غريب هي أسماء ليس لها باع فى العمل السينمائي، لكن هذا لا يحول دون المساءلة الفنية إن جاز التعبير، لأنه بالنهاية محسوب على أبطاله وكل العناصر المشاركة فيه، وأولهم يسرا مع كل من درة ودينا سامي وياسمين رئيس وعمرو عبد الجليل وماجد المصري وغيرهم.. تبدو سردية الفيلم منشغلة بقضايا جادة مثل التحرش والاغتصاب والعنف الزوجي، وموقف المجتمع الذي يسيطر عليه الرجل من كل هذا العنف الموجه ضد نصفه الذي يقاسمه الحياة، تدير دينا الكردي (يسرا) مركزاً لتمكين المرأة ومواجهة عنف الرجل رغم أنها شخصيا تعاني من هذه المشكلات، وتنضم إليها بالمركز مجموعة من السيدات عانين هن الأخريات من عنف الرجال وعدم إنصاف المجتمع أو القانون لهن، فيقررن في لحظة تجلٍ أكثر منها تمرد استخدام حقهن فى رفض أي علاقة مع الرجل، أي رجل، فتمنح مديرة المركز كل النساء حق الفيتو في عدم ملامسة الرجال لمدة شهر، ومع انتشار تلك الدعوة عبر وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي تتكشف المواقف وتتولد الكوميديا، أو هكذا تصور صناع الفيلم، ومن بينها خروج الرجال في مظاهرات حاشدة اعتراضا على هذا الفيتو. ولئن سلمنا بطرافة الفكرة وبجرأتها فإن ارتباكا واضحا سيطر على السيناريو الساعي إلى مغازلة شباك التذاكر من خلال مجموعة من المواقف واللزمات الكوميدية والأغاني والرقصات الساذجة لا سيما وأن فكرة العلاقة الحسية بين الرجل والمرأة تتيح بسهولة تلك المغازلة لمن يضعها هدفا منذ البداية، فضلاً عن ضياع الرسالة الأساسية من وراء هذه السردية حين تستخدم إحدى السيدات العنف ذاته ضد الرجل وتهشم زجاج سيارته كنوع من الانتقام بعيدا عن سلطة القانون، أو تنتهي أحداث الفيلم بمشهد تتراجع فيه هؤلاء النسوة عن الفيتو أمام وسامة رجل يظهر لهن فجأة (الممثل كريم فهمي) وتدفعهن الفطرة أو الغريزة إلى نسيان كل مواقفهن المعلنة، فإذا بهذا الرجل هو الذي يرفع في وجوههن هذا الفيتو. الأمر هنا – في تقديري - ليس مجرد فيلم يعلن موقفه من العنف ضد المراة في هذا المجتمع الذكوري، وإنما في تلك الدعوة للتمرد على الفطرة التي جُبل عليها الإنسان، وربما هذا هو مكمن الجدل الذي صاحب عرض الفيلم على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى بين الاختصاصيين أنفسهم، سألت الدكتور أحمد الأنصاري الاختصاصي في علم النفس الاجتماعي عن دعوة كهذه وما يمكن ان تُحدثه من أثر في المجتمع؟ فأشار إلى أن الأمر لو كان مجرد "فانتازيا فنية" بغرض التسلية ربما كان هذا مقبولا من أجل تولد المواقف الكوميدية أو حتى الإنسانية، أما من حيث النظرة العلمية لهذا الفيتو، فهو مجرد هراء غير قابل للتنفيذ، وخروج على الناموس الذي خلقه الله من أجل استمرار الحياة وعمران الكون، فضلا عن الاحتياجات الفيسيولوجية للطرفين، وأول ضحايا مثل هذه الدعوات هى المرأة التي هي بالنهاية تعاقب نفسها قبل أن تعاقب الرجل. وربما يظن البعض أن في منطق الدكتور الأنصاري نظرة ذكورية لا تختلف كثيراعن نظرة بقية مجتمع الرجال، ولهذا توجهت بالسؤال نفسه للسيدة نبيلة عبد الجواد الباحثة السابقة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة، فقالت أن هذا الفيتو محكوم عليه بالفشل، ولا يتقبله أي مجتمع عاقل، فضلا عن أنه يجافي فطرة الله في البشر، وتساءلت: ثم ماذا بعد هذا الشهر من القطيعة الزوجية؟ هل ستستقيم الأمور ويتأدب الرجال في تعاملاتهم الحياتية مع المرأة؟ إن دعوة كهذه لها كثير من التداعيات السلبية على المجتمع، وتتذكر د. عبد الجواد أنها أجرت بحثاً ميدانياً في منتصف التسعينيات ع