بعيون ثاقبة وشاخصة بإتجاه هدف واحد، تراقب مريم شرف الدين، برفقة زوجها المتقاعد في الجيش اللبناني، عمل حاضور جرافةٍ كبيرة كانت ترفع ركام منزل العائلة الذي دمره الجيش الإسرائيلي في بلدة زوطر الغربية- النبطية بعد احتلاله البلدة وانسحابه منها، ودخول الجيش اللبناني اليها في 21 تموز / يوليو الفائت. هدف مريم وحلمها الوحيد بعد خسارة جنى عمرها وعمر زوجها الستيني، هو العثور على بعض الأغراض الخاصة بالعائلة بين ركام المنزل. واستطاعت من خلال تنقلها بين الركام ومن خلال الطلب أحياناً من سائق الحفارة التوقف عن العمل، العثور على أشياء بسيطة وصغيرة، بعض الصور والألبسة التي يغطيها الغبار، غير أنها لم تعثر بعد على المصاغ الذهبية لابنتها. وكان لافتاً أن العائلة اتفقت مع صاحب الجرافة، أن يعمل على رفع ركام المنزل وتفتيت حجارته في مقابل حصوله على الحديد المستخرج من الباطون المسلح. مريم وزوجها وما جمعا من بين أنقاض منزلهما. (أحمد منتش) وقالت مريم لـ"النهار": "عندما اضررنا للنزوح من جديد وعلى وجه السرعة بعد هدنة العشرة أيام الأولى، تركنا كل شيء في المنزل وضعت في حقيبتي مصاغي وأوراقنا الخاصة. أما ابنتي فتركت في خزانتها مصاغها الخاصة، ظناً منها أنها ستعود من جديد وأن العدو الإسرائيلي لن يتمكن من احتلال البلدة وتدمير بيوتها". جرافة تجمع الحديد بعد استخراجه من أنقاض المنزل. "نفسيتنا تحت التراب مثل بيوتنا المدمرة" وأضافت بألم وحسرة: "نفسيتنا صارت تحت التراب، بيتنا دمّر، خربولنا حياتنا، وما حدا سأل عنا لا الدولة ولا حتى حزب الله، منعيش منموت ما فارقة معاهم، حسبيي الله ونعيم الوكيل". مسيرة إسرائيلية تحلق فوق البلدة. أوضاع مريم وعائلتها لا تختلف كثيراً عن أوضاع أبناء زوطر الغربية. وفي أول لقاء بينها وبين جارتها المسنة أم عباس ياغي، سارعت مريم الى معانقتها واحتضانها بحرارة، وبشكل عفوي تحدثتا أمام عدسة "النهار"، عن أوجاعهما وما قامت به قوات الاحتلال من نسف وتدمير للمنازل وتجريف للأراضي، واعتبرت ياغي جارتها مثل بناتها، "الجار قبل الدار، كنا نفرح معاً واليوم نعيش المصيبة نفسها". علماً أن أولاد أم عباس الثلاثة دمرت بيوتهم بشكل كامل وجرفت واقتلعت مزروعاتهم وأشجارهم المثمرة، وفقدت حفيدها المسعف في "كشافة الرسالة الإسلامية". قلعة أرنون كما بدت من زوطر الغربية. ورغم مرور أكثر من شهر على دخول الجيش اللبناني الى زوطر الغربية وانتشاره في معظم أراضيها، باستثناء بعض الأطراف الشمالية المتشابكة مع أراضي جارتها زوطر الشرقية التي يواصل فيها الجيش الإسرائيلي تفخيخ المنازل وتفجيرها، لا يزال الأهالي يعيشون في قلب المحنة والمعاناة، بيوتهم مدمرة أو محترقة أو متصدعة وأعمالهم ومصالحهم متوقفة، بعد أن حول الاحتلال الإسرائيلي زوطر الغربية بلدة منكوبة غير قابلة للحياة. يجيئون في ساعات الصباح الأولى على وقع أصداء التفجيرات وأعمدة الدخان التي لا تتوقف في زوطر الشرقية وكفرتبنيت ويحمر وأرنون وعلي الطاهر ودوحة كفررمان، وصولاً الى دير سريان والطيبة والقنطرة من جهة ثانية. وعندما يتأخرون في العودة، تحوم فوقهم محلقات إسرائيلية على علو مخفوض. البيوت الجاهزة تنتظر رفع الركام لإدخالها الجهود والمساعي الكبيرة التي تبذلها البلدية مع الجيش اللبناني والجهات المسؤولة والمعنية لم تسفر حتى الآن سوى عن فتح الطرق العامة والخاصة بعد إزالة الركام، وعن إيصال الجيش صهاريج المياه الى الأشخاص الذين اختاروا البقاء، الى لمسجد البلدة رغم الدمار الذي أصابه. وأمس وصلت الى البلدة كمية من خزانات المياه. أما شبكتا الكهرباء والهاتف، فلا تزالان على حالهما تدميراً أو احتراقاً أو أعمدة مقتلعة. رئيس البلدية حسن عز الدين أوضح لـ"النهار" أن "إمكاناتنا أصبحت صفراً، والبيوت الجاهزة لا تزال في مكانها في محلة الصوان في قعقعية الجسر، لم ننته بعد من رفع ركام المنازل لإدخالها". وشدد على "أن عودة الحياة إلى طبيعتها لا يمكن أن تكتمل قبل إعادة إعمار كل ما تهدم، وقبل انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من زوطر الشرقية ويحمر وأرنون وكفرتبنيت، وجميع هذه البلدات تقع خارج جنوب نهر الليطاني، ولا يشملها قرار مجلس الأمن الرقم 1701".