تدخل أزمة الكهرباء في لبنان مرحلة أكثر تعقيدا. إذ يتزامن نقص الفيول ومحدودية ساعات التغذية مع أزمة التمويل والجباية والمستحقات المتراكمة وارتفاع كلفة الإنتاج والتعديات والهدر، إلى جانب عقبات إدارية وقانونية وتعاقدية تعيق استثمار كامل القدرات المتاحة. وفي مواجهة هذه الأزمة، تتجه مؤسسة كهرباء لبنان إلى مجموعة من الإجراءات المتوازية، من بينها تأمين بواخر إضافية من الفيول، والعمل على رفع التعرفة وربطها بكلفة المحروقات، وتشديد تحصيل المستحقات وصولا إلى قطع الكهرباء عن الجهات المتخلفة عن الدفع وإعادة تنظيم خطوط الخدمات والاستثناءات. وفي خضم البحث عن حلول تمويلية ومساعدات خارجية، تبرز مفارقة أساسية تتعلق بوجود عشرات آلاف الأطنان من الفيول داخل معملي الزوق والجية، في وقت تعاني فيه البلاد من تقنين قاس وحاجة إلى كل ميغاواط إضافي. وتبلغ القدرة الإجمالية لمعملي الزوق والجية نحو 280 ميغاواط، بينما يراوح إنتاج مؤسسة كهرباء لبنان حاليا بين 200 و400 ميغاواط في أفضل الحالات. وتؤكد عضو مجلس ادارة مؤسسة الكهرباء جويل الشكر لـ"النهار" أن "إعادة تشغيل المعملين يمكن أن تضيف نحو ساعتين ونصف إلى 3 ساعات من التغذية يوميا، من دون كلفة وقود إضافية بالنسبة إلى الكميات الموجودة. توازيا يعمل مجلس الإدارة على دراسة امكانية معالجة الإشكالات القضائية والتعاقدية مع الشركة المشغلة (شركة MEP)، والبحث في سبل إعادة التشغيل ضمن الأطر القانونية والقضائية". علما أن إعادة تشغيل معمل الزوق القديم، يمكن أن يوفر نحو 700 إلى 800 ميغاواط. وتعتبر أن "تشغيل هذه المعامل يمكن أن يشكل أحد أسرع الحلول لزيادة ساعات التغذية، خصوصا أن المشكلة ليست في غياب القدرة الإنتاجية فقط، بل في عدم استثمارها". أزمة تمويل وكلفة فيول متصاعدة في المقابل، تواجه المؤسسة أزمة تمويل حادة. فالعمل على فتح اعتماد للباخرة الحالية تأخر بسبب الحاجة إلى تحويل جزء من الأموال المتوافرة بالليرة اللبنانية إلى الدولار عبر مصرف لبنان، وليس بسبب عدم تأمين الأموال من جانب المؤسسة. وتبلغ قيمة حمولة الباخرة نحو 66 مليون دولار، وهي تكفي لنحو 3 أسابيع من التغذية بمعدل يقارب 4 ساعات يوميا. ولذلك خفض الإنتاج للحفاظ على الحد الأدنى من التغذية، مع إعطاء الأولوية للمرافق الحيوية، ومنها مطار بيروت والسجون والإدارات العامة، ثم توزيع ما تبقى على المواطنين. وعند تولي مجلس الإدارة الحالي مهامه في شباط، كان متوافرا نحو 140 مليون دولار. إلا أن ارتفاع أسعار الفيول استنزف هذه الأموال، فيما تجاوزت كلفة المحروقات الموازنة الموضوعة بنحو 176 مليون دولار. وارتفعت كلفة بعض الشحنات من نحو 20 مليون دولار إلى 44 أو 45 مليون دولار، ما أدى إلى توجيه معظم إيرادات الجباية إلى شراء الفيول. ولكن الجباية الحالية لا تكفي وحدها لتمويل استمرار التغذية. ففي أفضل الحالات تبلغ الجباية اليومية نحو مليون إلى 1.2 أو 1.3 مليون دولار، بينما تحتاج الباخرة الواحدة إلى عشرات الملايين. كما تتحمل المؤسسة رواتب ومصاريف تشغيلية، ما يجعل توجيه كامل الإيرادات إلى الفيول أمرا غير ممكن. وتقدر الشكر الخسائر غير الفنية الناتجة عن التعديات والهدر وسرقة الكهرباء بأكثر من 40%، بما دفع المؤسسة إلى إطلاق حملة لمكافحة التعديات والهدر وتحسين الجباية. وتملك المؤسسة مستحقات كبيرة لدى الدولة والإدارات العامة. وقد أسهمت الحكومة ووزارة الطاقة ووزارة المالية في تسريع تحصيل جزء منها، وتم تأمين نحو 50 مليون دولار من مستحقات الإدارات العامة، فيما استُكمل الجزء الآخر من الجباية. كما التزمت الحكومة بتأمين نحو 50 مليون دولار شهريا من المستحقات السابقة، وانخفضت قيمة المتأخرات المطلوب تسديدها من نحو 300 مليون إلى 250 مليون دولار. إلا أن تحويل الأموال يمر بإجراءات واعتمادات إدارية ومالية متعددة، بما يؤدي إلى تأخير التحويلات. قطع خطوط الخدمات وإعادة تنظيم الاستثناءات وتعمل مؤسسة كهرباء لبنان على تشديد تحصيل المستحقات، وقد اتخذ مجلس الإدارة قرارات بقطع الكهرباء عن إدارات ومؤسسات غير ملتزمة بالدفع، مع استثناء المستشفيات في بعض الإجراءات. كما سيعاد النظر في خطوط الخدمات والاستثناءات، إذ سيصدر قرار بإلغاء الخطوط القائمة ووضع معايير جديدة للافادة منها. وتشمل الجهات المستفيدة مستشفيات ومصالح مياه وآبار مياه وغيرها، خصوصا أن بعض المستفيدين من خطوط الخدمات على الكهرباء بنحو 27 سنتا للكيلوواط/ساعة، في حين يتحمل المواطن كلفة تقارب 60 سنتا أو أكثر لدى المولدات الخاصة. معمل دير عمار في شمال لبنان (حسام شبارو) وفي ظل نقص الموظفين والكوادر القادرة على تنفيذ عمليات القطع والتحصيل ميدانيا، يتجه مجلس الإدارة إلى إعطاء مقدمي الخدمات صلاحيات أكبر في قطع الكهرباء عن المتخلفين عن الدفع. واستنادا إلى مراج