كشف تحقيق نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" أن روسيا استعانت بخبراء صواريخ لمساعدة إيران في تطوير محرك نفاث تضاغطي، ضمن برنامج سري يحمل الرمز "C430L"، بما قد يمهد لإنتاج صاروخ كروز فوق صوتي قادر على تهديد حاملات الطائرات الأميركية في المنطقة. وتكمن خطورة ما أظهره التحقيق في أن التعاون يتجاوز بيع سلاح جاهز إلى نقل معرفة تصنيعية قد تمنح طهران قدرة إنتاج مستقلة. ومع ذلك، لا تثبت الوثائق أن البرنامج أنتج حتى الآن صاروخاً جاهزاً للاستخدام الميداني. ترصد "النهار"، بالاستناد إلى تقييمات خبراء، مسار هذا البرنامج السري والفجوة بين تطوير التقنية وتحويلها إلى سلاح عامل، للإجابة عن السؤال الأهم: هل يمنح "C430L" إيران قدرة تغير ميزان القوة البحرية، أم يظل مشروعاً تجريبياً بالغ الطموح؟ وبحسب تحقيق "فايننشال تايمز"، رتبت شركة "روس أوبورون إكسبورت"، المصدرة للأسلحة والمملوكة للدولة الروسية، البرنامج بالتنسيق مع "إن بي أو ماشينوستروينيا". وزار مسؤولون ومهندسون كبار إيران مراراً قبل توقيع عقد في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 مع وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية. وبحلول 2025، تسلّمت "إن بي أو ماشينوستروينيا" مواد تقنية إيرانية وبيانات اختبار طيران، وحلل مهندسوها أداء المحرك، بما يشمل نظام الوقود واستقرار الاحتراق ومدخل الهواء والفوهة، وما إذا كان المحرك قد واصل العمل بعد انقطاع بيانات القياس عن بُعد. واقترحت موسكو إرسال نحو 24 متخصصاً لإجراء مشاورات إضافية، بينهم ألكسندر ديرغاتشيف، كبير مصممي الصواريخ البحرية، وألكسندر تشيباكوف، خبير وحدات الدفع المتنفسة للهواء، ويوري بروخورشوك، رئيس قسم الديناميكا الهوائية والمقذوفات. وأظهرت براءات راجعتها الصحيفة ارتباط خبراتهم بالمحركات النفاثة التضاغطية والصواريخ العالية السرعة. ويقول الزميل الأول لشؤون الطيران العسكري في "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" دوغلاس باري، إن إيران تعمل على تطوير محرك نفاث تضاغطي للصواريخ منذ منتصف العقد الماضي على الأقل. وفي 2019، عرضت إيران مكونات لمحرك "RJ-HP1"، بأبعاد قريبة من محرك صاروخ "Kh-31" الروسي. ويرى باري أن مشاركة "إن بي أو ماشينوستروينيا"، الشركة المصممة لصاروخ "3M55 أونيكس" الأكبر حجماً من "Kh-31"، قد تشير إلى سعي طهران إلى تطوير محرك أكبر قطراً وأكثر قوة، من دون أن يعني ذلك نقل تصميم "أونيكس" نفسه. وتشير المراسلات إلى استمرار البرنامج خلال 2026، بعد اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، مع إعداد موسكو تقارير تقنية لطهران ومناقشة مرحلة تطوير تالية. وجاء في رسالة في حزيران/يونيو أن الطرفين كانا يتفاوضان بشأن عناصر هذه المرحلة، من دون دليل على بدء تنفيذها. وزير الدفاع الروسي السابق سيرغي شويغو يتفقد معرضاً للصواريخ والمسيّرات الإيرانية في طهران، في 20 أيلول/سبتمبر 2023. (وزارة الدفاع الروسية) صنعت إيران نظام الدفع واختبرته جواً، وفق التحقيق، لكن باري يعتبر أن "تحديد مستوى التقدم يتطلب معرفة ما إذا كان المحرك بالحجم الكامل أم نموذجاً مصغراً، وما إذا كان الاختبار أُجري على هيكل مماثل لصاروخ يمكن إدخاله إلى الخدمة". ويحتاج تحويل هذا النظام إلى سلاح عامل إلى معززات صاروخية تعمل بالوقود الصلب لتسريعه إلى السرعة اللازمة لبدء تشغيل المحرك النفاث التضاغطي واستمرار عمله، فضلاً عن باحث لتحديد الهدف، وصاعق، ورأس حربي، ونظام توجيه في منتصف المسار، ومقياس ارتفاع للتحليق بمحاذاة سطح البحر. ويتمثل التحدي الأهم في دمج هذه العناصر وإنتاجها بموثوقية. من جهته، يحذر خبير الصواريخ ماركوس شيلر، في حديث لـ"النهار"، من أن اختبار طيران واحداً "لا يعني شيئاً" بمفرده، إذ قد يكون استعراضاً لمنظومة روسية أو إثباتاً لمفهوم إيراني. ويتطلب إثبات وجود برنامج مستقل وجدي، بحسب شيلر، اختبارات طيران متكررة، واختبارات ثابتة، ورحلات تدريبية، ومنشأة إنتاج نشطة. ويرى أستاذ الحرب والاستراتيجية في شرق آسيا في "جامعة كينغز كوليدج" لندن أليسيو باتالانو، في حديث لـ"النهار"، أن دخول الصاروخ الخدمة سيعزز أولاً استراتيجية المنع البحري الإيرانية، عبر توسيع مدى استهداف السفن وزيادة المخاطر التي تتعرض لها. فإيران، بحسب تعبيره، "لم تعد تمتلك قوة بحرية بالمعنى التقليدي، ما يجعل المنع محوراً عقائدياً مرجحاً". وفي ضوء أهمية التعاون مع روسيا، يرجح باتالانو أن يفضي إلى صاروخ فعال مضاد للسفن يرفع مستوى الخطر على مجموعات المهام البحرية. ولن يقتصر أثره على الاستخدام الفعلي، إذ إن مجرد احتمال إطلاقه سيفرض على الولايات المتحدة مراجعة واسعة لإجراءات الحماية والتخطيط العملياتي. ومع ذلك، يشدد باتالانو على أن السوابق التاريخية "لا تقدم دليلاً حاسماً على قدرة الصواريخ وحدها على تغيير الميزان البحري". فهي