ترأس البطريرك الماروني الكردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد في كنيسة الصرح البطريركي في الديمان، بحضور عدد من الكهنة ووفود وفاعليات وحشد من المؤمنين، قبل أن يتطرق في عظته إلى الشأن الوطني والملفات السياسية والاجتماعية الراهنة. وفي الملف الوطني، شدد الراعي على أن لبنان ليس ملكًا لأي فريق، وأن لا أحد يملك منفردًا حق تقرير المصير، معتبرًا أن الدولة ليست غنيمة والسلطة ليست امتيازًا، بل أمانة لخدمة الناس. وأكد أن استعادة لبنان عافيته تتطلب مرجعية وطنية واحدة وقرارًا سياديًا موحدًا، مشددًا على أن حماية لبنان تكون بحصر السلاح بيد الدولة، لأن الدولة لا تستطيع حماية مواطنيها أو المطالبة باحترام سيادتها إذا بقي القرار الأمني موزعًا بين مرجعيات متعددة. ورأى أن هذا المسار يجب أن يتم بالحكمة والمسؤولية، بعيدًا عن التحريض والفتنة، وبما يحفظ كرامة جميع اللبنانيين. وفي ملف المفاوضات، شدد الراعي على أنها لا يجوز أن تبقى جولات من دون نتائج، داعيًا إلى وقف الاعتداءات، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وضمان أمن الناس وحقهم في العودة إلى قراهم وبيوتهم. وأكد أن الجنوب ليس ورقة تستخدم في الحسابات، بل أرض لبنانية، وأن لأهله الحق في الأمان والحياة وإعادة الإعمار، رافضًا أن يبقى الجنوبيون أسرى الانتظار أو أن تتحول معاناتهم إلى مادة للمساومة. كما شدد على أن الجيش يجب أن يكون حاضرًا حيث يجب أن تكون الدولة، وحازمًا حين يُهدد الوطن، ومسندًا بإرادة سياسية، معتبرًا أن الدولة التي لا يملك جيشها الكلمة الفصل في حماية أرضها تبقى ناقصة السيادة. ودعا الراعي إلى حياد يحمي لبنان من صراعات الآخرين، معتبرًا أنه لا يعني التخلي عن الحقوق أو القضايا الوطنية، بل رفض تحويل لبنان إلى ساحة للمحاور، بما يسمح باستعادة القرار الحر وحفظ العلاقات مع الجميع. وأكد أن لبنان لا ينهض بانتصار فريق على آخر، بل بانتصار الجميع للدولة، وبالشراكة واحترام القانون وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الخاصة. وفي ملف قانون العفو العام، أعرب الراعي عن أمله في أن يشكل توقيعه بابًا للرحمة وفرصة لفتح صفحة جديدة عنوانها العدالة والمصالحة والسلام، معتبرًا أن العفو، إذا اقترن بالحق والعدل، يمكن أن يسهم في تضميد الجراح وإعادة بناء الثقة ومنح من يستحق فرصة جديدة للعودة إلى المجتمع. كما أمل أن يفتح القانون الباب أمام مزيد من المصالحات وأن يساعد على طي صفحات الألم والانقسام، بما يحفظ كرامة الإنسان وحقوق المتضررين ويضع مصلحة لبنان ووحدته فوق كل اعتبار. وتوقف الراعي عند الأوضاع المعيشية، ناقلًا وجع المواطنين من الغلاء والفقر والمرض، وصعوبة تأمين أبسط مقومات الحياة، في ظل أعباء الكهرباء والمولدات والفواتير. وانتقد الفساد والإهمال وغياب المحاسبة، معتبرًا أن لبنان يحتاج إلى دولة وعدالة ومحاسبة، وأن وجع اللبنانيين يجب أن يبقى أولوية. وبعد القداس، استقبل الراعي المشاركين، فيما ألقى رئيس إقليم كاريتاس الجبة الدكتور إيليا إيليا كلمة شكر فيها للبطريرك رعايته الدائمة لكاريتاس ودعمه رسالتها الإنسانية والاجتماعية.