تاريخياً يُعتبَر ملفّ "مكافحة الفساد في لبنان" من القضايا الأكثر تعقيداً حيث رفعت جميع العهود الرئاسية منذ الإستقلال شعار الإصلاح، لكنّ النتائج تفاوتت بشكل كبير بين محاولات اصطدمت بالنظام الطائفي والحروب المتتالية، وبين فترات شهدت تعميماً للمحاصصة... يُجمِع المؤرِِّخون على أنّ عهد الرئيس فؤاد شهاب (1958_1964) على أنه المحاولة الأبرز لبناء "دولة المؤسّسات".. إذ أنشأَ مجلس الخدمة المدنية، والتفتيش المركزي، ومجلس الشورى لضبط الإدارة.. إلاّ أنّ نهجهُ الشهابي (الإنتقال من "دولة الأشخاص والزعامات" إلى دولة "القانون والمؤسّسات" واجهَ مقاومة شرِسة من الإقطاع السياسي والزعامات الطائفية التي اعتبرت الإصلاح تهديداً لنفوذها... ثمّ جاء عهد الرئيس شارل حلو (1964_1970) الذي حاول استكمال النهج الشهابي وقام ب"تطهير قضائي وإداري" عام 1965، لكنّ الضغوط السياسية والتدخّلات الطائفية أجهضت هذه الخطوة، وسرعان ما عاد المعزولون إلى مناصبهم... أمّا في فترة الحرب الأهلية (1975_1990) غابت الدولة ومؤسّساتها الرقابية تماماً، وتكرّسَ اقتصاد الحرب والتهريب والتعدّي على الأملاك العامة... وفي عهود ما بعد "الطائف"، دخلَ لبنان مرحلة "ديمقراطية التوافق" والمحاصصة الطائفية السياسية.. فتحوّلت الوزارات والمؤسّسات العامة إلى محميّات تابِعة للقوى السياسية، ممّا جعل الرقابة والمُحاسبة شبه مستحيلة لأنّ "كل طرف يحمي جماعته"... وقد شهدت الفترة الممتدّة من عهد الرئيس الياس الهراوي عام 1989 (عهد توزيع المغانم على الترويكا الحاكمة) وحتى نهاية عهد الرئيس ميشال عون عام 2022 تحوّلات عميقة في بُنية الفساد في لبنان حيث انتقل من ممارسات فردية أو إدارية محدودة إلى "فساد بنيوي مُمأسس" مَحمي بسلاح "حزب الله" وبفائض القوّة وبموجب نظام المحاصصة الطائفية الذي تكرّس بعد "اتفاق الطائف"... شكّلَ وصول العماد جوزاف عون إلى سدّة الرئاسة، قادِماً من قيادة الجيش، محطة جديدة تزامنت مع ظروف استثنائية فرضَتها الظروف الأمنية والسياسية والإقتصادية المتلاحقة.. وقد وضع الرئيس عون "مكافحة الفساد" في مقدمة خطاباته، معتبِراً أنّ "مَن يغطّي الفاسد هو شريك في الفساد"... شهدت المرحلة الأولى من العهد بالتعاون مع حكومة الرئيس نواف سلام، إطلاق سلسلة من من الملاحقات القضائية التي طالت موظفين كباراً ووزراء ونواباً سابقين متورطين في ملفات نهب المال العام، وشملت الأحكام إلزام البعض بإعادة الأموال المنهوبة ...(لم تُعرَف نتائجها حتى اليوم). رغم النبرة الحازمة والخطوات القضائية التي لاقت صدى إيجابياً لدى الشارع اللبناني الساعي للمحاسبة، يرى كثيرون أنّ البنية العميقة لمنظومة المحاصصة الطائفية المتجذِِّرة في دهاليز الإدارة اللبنانية والمحمية بالنفوذ المالي والسياسي لا تزال تشكّل عقبة كأداء، ممّا يجعل اختراقها بالكامل أمراً بالغ الصعوبة ومحكوماً بنفس الشروط المعقّدة التي كبّلت العهود السابقة... لئلاّ تبقى عملية "مكافحة الفساد" تدور في حلقة مفرغة فيها الكثير من الكلام والقليل من الأفعال، وكي تتمكّن الدولة من استرداد أموالها المنهوبة.. على "الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد" البدء فوراً بسؤال كل شخص عملَ أو تعاملَ مع الدولة، وتظهر عليه آثار النعمة والغِنى، عن رقمين: ١) الأموال والموجودات النقدية والعينية قبل تاريخ العمل في القطاع العام أو معه. ٢) الأموال والموجودات بتاريخ اليوم، ومن أين أتيت بهذه الثروة؟ (من أين لك هذا؟) هكذا فقط يستعيد الشعب أمواله وتُسدِِّد الدولة ديونها.