بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن سيطرة عملاتية لـ الجيش الإسرائيلي على تلة علي الطاهر الاستراتيجية بالقرب من النبطية، لم يعد السؤال المحوري حول حقيقة الوضع هناك بل صار مركّزاً على: لماذا لم تترجم إيران تهديدات أطلقتها قبل ساعات من الحدث وهدّدت فيها بتدخل عسكري لحماية هذا الموقع والحيلولة دون سقوطه بيد الإسرائيلي؟. وبطبيعة الحال لهذا السؤال تتمة وهي لماذا يصمت "حزب الله" بصفته الطرف المعنيّ حيال الحدث ولا يبادر إلى تقديم روايته، فيبدّد حال الغموض والالتباس اللذين اكتنفا هذا التطوّر الميداني المهم، ما جعل السردية الإسرائيلية الغالبة والسائدة لا تجد من يدحضها أو يوضحها، وما أباح استتباعاً لمناهضي الحزب إطلاق سيل من التأويلات تندرج في حانتين: الأولى أنها محطة في مسلسل الانكسارات والتراجعات العسكرية المتتالية للحزب، التي بدأت يوم أخذ قرار خوض حرب إسناد غزة قبل نحو ثلاث سنوات. الثانية أنها أحد تجليات تفاهم أميركي - إيراني غير مباشر على الساحة اللبنانية مفاده إخراج التلة من التداول. إسرائيل أمام "أيام حساسة" في جنوب لبنان ومخاوف من ردّ "حزب الله" وإيران... 4 ضحايا و20 جريحاً جرّاء موجة الغارات تفجيرات إسرائيلية ضخمة في بلدة المنصوري بقضاء صور، 5 أيلول/ سبتمبر 2026 (أ ف ب). لكن مصادر ذات صلة بالحزب تشكّك في رواية أن تكون طهران هدّدت بالتدخل العسكري إذا تعرّضت التلة لهجوم إسرائيلي بناءً على اعتبارات عدّة أبرزها: - الهجمات الإسرائيلية البرّية والجوية على التلة تتكرّر منذ سريان وقف النار الجزئي في 25 حزيران الماضي، وقد سجّلت أكثر من 20 محاولة لاقتحام التلة برّياً. - فضلاً عن ذلك فإن إيران تقدّر تماماً أن تدخلاً من هذا النوع في مثل هذه الأوضاع ستكون له تبعاته الواسعة، وسيفتح باب انفلات الأوضاع واحتدامها في الإقليم عموماً بما سيحقق لإسرائيل أهدافها المعروفة في تجديد الحرب على إيران بصورتها الأولى وفي نسف جولات التفاوض غير المباشر بين طهران وواشنطن. ووفق المصادر عينها فإن إيران تشترط دوماً أن يكون وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، بنداً أساسياً من بنود التفاوض مع واشنطن، وهي جمّدت تلك المفاوضات في محطات تصعيد الهجوم على الضاحية الجنوبية. وبالطبع لدى "حزب الله" تفسيره لتعمّده التزام الصمت أمام الرواية الإسرائيلية بشأن السيطرة على التلة، مع علمه المسبق بأن سياسة الصمت هذه رفعت إلى الحد الأقصى من منسوب الارتباك والحيرة والقلق في بيئة الحزب. وعلى رغم مرور أكثر من 72 ساعة على الإعلان الإسرائيلي فإن هذه البيئة ما زالت تجهل ما إن كانت التلة بمنشآتها، التي سُلطت عليها الأضواء طوال أشهر ثلاثة خلت، آلت فعلاً إلى السيطرة الإسرائيلية أم أن السردية الإسرائيلية ناقصة. وهذه ربّما من المرات النادرة التي يبدو الحزب فيها عاجزاً عن تفسير حدث بهذا المستوى من الأهمية. عنوان عريض يعطيه الحزب لتبرير سياسة العجز عن الكلام تلك، ملخصه الآتي: نحن لا نريد أن نجعل التطوّر الميداني يرقى إلى مرتبة الحدث المفصلي كما يريد له العدوّ، نريد أن يأخذ مداه ويستنفد غرضه ليكون لرأينا وكلمتنا بعدها الوقع والصدى... وتتركز الرواية الضمنية التي يعطيها الحزب للمقرّبين منه على أمرين: - أن حقيقة ما جرى في التلة أنه مواجهة في معركة صعبة ومركبة ومفتوحة لم تضع أوزارها بعد، فمقاتلو الحزب الذين كانوا متحصّنين في أنفاق التلة صدّوا هجمات إسرائيلية متتابعة منذ ثلاثة أشهر بإقرار الإسرائيلي نفسه. سقوط علي الطاهر وذروة اختناق إيران رد "حزب الله" الذي أحدث إخلاءه لتلة علي الطاهر مفسحاً في المجال أمام سيطرة إسرائيل عليها إرباكاً كبيراً له سياسيّاً في الدرجة الأولى، ببيان صعّد فيه تجاه الدولة اللبنانية بتعابير مضخّمة أكثر ما تنطبق عليه وعلى أدائه بدلاً من أن يُسقطها على الدولة وأركانها محاولاً نقل الأنظار والاهتمام من خسارته التلة الاستراتيجية. لا يمكن للإسرائيلي أن يحقق سيطرة تامة على التلة ومنشآتها بدليل أنه يستأنف هجماته على محيط التلة نفسها وعلى مواقع ونقاط بعيدة، ولم يظهر صوراً ومشاهد من داخل التلة تثبت صحّة روايته بالسيطرة على التلة. وعليه فإن الحزب يبرّر صمته في وجه الرواية الإسرائيلية بأنها مقصودة لاحتواء الضجّة التي أثارتها إسرائيل والإعلام، ليكون له بعدها فرصة لإظهار الحقائق التي بحوزته.