منذ اللحظة التي أعلن فيها الجيش الإسرائيلي سيطرته العملياتية على تلة علي الطاهر ودخول قواته إلى إحدى منشأتيها الاستراتيجيتين، تحوّلت هذه البقعة الجغرافية الصغيرة في جنوب لبنان إلى عنوان سياسي كبير يتجاوز حجمها العسكري الفعلي. فالتلة التي تشرف على مساحات واسعة تمتد من إقليم التفاح باتجاه الزهراني والبقاع الغربي، لطالما شكّلت أحد أبرز المواقع العسكرية ل "حزب الله" في الجنوب، بما تضمّه من أنفاق ومنشآت يتجاوز عمق بعضها خمسين متراً تحت الأرض. لكن الرواية الرسمية الإسرائيلية عن “اكتمال المهمة” و”تطهير الأنفاق”، كما عبّر عنها وزير الأمن الإسرائيلي، لم تجد ما يقابلها من تفاصيل واضحة من الجانب اللبناني أو من "حزب الله" نفسه، الذي التزم ما يشبه “التعتيم المطبق” حيال ما جرى فعلاً داخل المنشأة. كذلك اعتمدت طهران الخيار نفسه متجاهلة ما حصل ، على رغم انها كانت وضعت تلة علي الطاهر ضمن الخطوط الحمر . هذا الصمت، المقترن بمعلومات متضاربة عن مصير المقاتلين الذين كانوا داخل المنشأة في التلة ، فتح الباب أمام تساؤلات جدية لم تُحسم بعد: هل كان ما جرى اقتحاماً عسكرياً فعلياً أم أن ثمة تفاهماً غير معلن، تحت الطاولة، سمح بخروج من كان في الداخل، بمن في ذلك عناصر من "الحرس الثوري" الإيراني، في مقابل عدم خوض معركة مفتوحة كان يمكن أن تُطيح بحسابات الطرفين معاً؟ الإشارات إلى أن "حزب الله" “لم يخض معركة فعلية للدفاع عن التلة” رغم الصورة التي حاول تظهيرها سابقاً عن أهميتها، تعزز فرضية أن ما حصل لم يكن معركة حسمها الميدان وحده، بل تقاطعت فيه اعتبارات أخرى: رغبة إسرائيلية في تسجيل “إنجاز” نظيف الكلفة بشرياً، ورغبة لدى "الحزب" في تفادي خسارة استعراضية تُستخدم ضده داخلياً، فضلاً عن حسابات إيرانية أوسع لا تريد فتح جبهة تصعيد غير محسوبة النتائج في هذه المرحلة بالذات. وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة الكاملة لما جرى في باطن التلة أشبه بـ”صندوق أسود” سياسي وعسكري، لا يبدو أن أحد الطرفين، الإسرائيلي أو اللبناني، معنيّ فعلاً بفتحه أمام الرأي العام. وتعزز الغموض حول مصير التلة ومن فيها من خلال تضارب التسريبات والروايات في ما بدا أن ثمة من يتعمد تضليل الرأي العام لإخفاء ما قيل عن "صفقة" تمت بعيداً عن الأضواء كانت من ثمار محادثات تمت في تركيا بين ممثلين من المخابرات الاميركية والاسرائيلية وجهة عربية حظيت بموافقة " حزب الله ". توظيف نتنياهو للإنجاز: الداخل أم طاولة التفاوض؟ إلا ان السؤال الأكثر إلحاحاً بعد سقوط علي الطاهر هو كيفية توظيف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لهذا “الإنجاز” العسكري. فالمسارات المحتملة أمامه ليست واحدة، بل تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع الخارجية. فمن جهة، يمنحه هذا التطور مادة دعائية يمكن تسويقها داخلياً في ظل استحقاقات سياسية وانتخابية لا تغيب عن حساباته، كدليل إضافي على أن “الحسم العسكري” لا يزال خياراً فاعلاً، وأن التنازل عبر المفاوضات ليس ضرورة حتمية. ومن جهة أخرى، ثمة من يرى أن نتنياهو قد يفضّل استثمار هذا “الإنجاز” لا في الصندوق الانتخابي بل في تعطيل المفاوضات ذاتها، عبر رفع سقف مطالبه الميدانية وتظهير أن الضغط العسكري المتدرّج يحقق ما تعجز التسوية التفاوضية عن تحقيقه. فكل موقع جديد تسيطر عليه إسرائيل ميدانياً، مثل جبل الريحان والدبشة والطهرة- التي لا تزال خارج السيطرة الكاملة- يصبح ورقة تفاوضية إضافية أو ذريعة لتأجيل الاستحقاقات، بدل أن يكون حافزاً للتسريع نحو تسوية. وهذا ما يجعل الخيارين، الانتخابي والتعطيلي، غير متناقضين بالضرورة، بل يمكن أن يخدم أحدهما الآخر في آن واحد. والخيار التعطيلي الذي يفضله نتنياهو يظهر بوضوح من خلال ما يصدر عنه وعن غيره من المسؤولين الإسرائيليين من مواقف سلبية تصل احياناً إلى حد نعي المفاوضات او التبشير بفشلها ! جولة ثامنة بلا أفق: عقبات ثلاث تمنع تفعيل الاتفاق بالتوازي مع تطورات علي الطاهر، لا تبدو الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية الأميركية الإسرائيلية، التي لم يُحدَّد لها موعد رسمي حتى الآن، أقرب إلى الانعقاد بأفق واضح، وذلك بسبب استمرار تعطّل اتفاق الإطار في ثلاث مسائل جوهرية لم تُحسم بعد رغم جولات “روما” المتعاقبة: ⁃ أولاً، ترفض إسرائيل حتى الآن الاستجابة للطلب اللبناني بتوسيع المناطق النموذجية لتشمل بلدات جديدة، متمسّكة بمنطقتي فرون وصريفا وزوطر الغربية اللتين اتُفق عليهما في وقت سابق، ومتذرّعة بأن الجيش اللبناني لم يقم بدوره على النحو المطلوب في “تنظيف” المناطق من مظاهر وجود حزب الله، قبل الانتقال إلى أي توسيع جديد. وقد سمع السفير الاميركي في لبنان ميشال عيسى خلال وجوده في تل ابيب الأسبوع الماضي كلاماً اسرائيلياً واضحاً حول " عجز " الجيش اللبناني عن القيام بدوره كاملاً قياساً إلى السردية الاسر