يراهن اللبنانيون على برنامج صندوق النقد الدولي لاستعادة مدخراتهم، فيما يبقى سؤالٌ أعمق بلا إجابة: هل يحمل هذا البرنامج ما يمنع تكرار الأزمة نفسها؟ يراقب اللبنانيون اليوم برنامج صندوق النقد الدولي عن كثب، وينتظرون الإجابة عن سؤالٍ واحدٍ يشغل حديثهم اليومي: متى تعود مدخراتهم، وكم منها سيُستعاد فعلياً؟ ويحمل هذا السؤال ثقلاً إنسانياً مفهوماً؛ فقد خسر كثيرون في ليلةٍ واحدةٍ ثمرة عمرٍ كاملٍ من الادخار، ولا يحتاج قلقهم على مصير هذه الأموال أي تبريرٍ إضافيٍ. لكن هذا البرنامج يحمل في طياته قضيةً أخرى لا تقل خطورةً، تحظى باهتمامٍ أقل بكثير في النقاش الإعلامي والفكري العام؛ فتتصدر برامج الحوار ومقالات الرأي تفاصيل استرداد الودائع وجدولها الزمني، بينما يغيب عن هذا النقاش تقريباً أي تمحيصٍ جادٍ في جوهر البرنامج نفسه، وفيما إذا كان يحمل فعلاً ما يمنع تكرار المسار الذي أوصل هذه الودائع إلى الضياع أصلاً. ويظل هذا الغياب لافتاً، بالنظر إلى حجم المخاطر التي ينطوي عليها، إذ يُناقش البرنامج غالباً بوصفه حلاً مسلماً به، لا نصاً يستحق قراءةً نقديةً تسائل افتراضاته الأساسية قبل أن يُستكمل ويُطبق بكامل تفاصيله. وقد اعتمد لبنان فعلياً، منذ عام سبعة وتسعين، برنامجاً يحمل تشابهاً يصعب تجاهله مع ركائز البرنامج الحالي، وخضع له لعقدين كاملين قبل أن ينهار. وقد تركت حدة الأزمة، وما جرّته من انزلاق شرائح واسعة من اللبنانيين نحو خط الفقر بين ليلة وضحاها؛ والرأي العام أسير تفسير واحد يحصر الأزمة بالفساد وحده. لا شك في أن الفساد كان حاضراً، وترك أثراً سلبياً حقيقياً لا يمكن إنكاره. لكن الأزمة لم تقع بسبب الفساد وحده، بل لأن النموذج الاقتصادي نفسه قام على أسس هشة منذ البداية، كما أوضحنا بالتفصيل في مقال سابق بعنوان "الانهيار الذي كان يمكن تجنبه: القطاع الخارجي اللبناني الذي لم يُبنَ يوماً". ويُعدّ تصحيح هذا التصور السائد الخطوةَ الأولى الضرورية قبل الحكم على جدوى أي برنامج إصلاح جديد، إذ إن حصر الأزمة بالفساد وحده يوهم بأن استئصاله كافٍ لمنع تكرارها، بينما يبقى النموذج الاقتصادي نفسه، بضعفه البنيوي، قائماً من دون علاج حقيقي. ويتناول هذا المقال محورين تحديداً من محاور برنامج الإصلاح الجاري التفاوض عليه مع صندوق النقد الدولي، ونعتقد أن تطبيقهما، وفق ما وردا في نص البرنامج، سيعيد لبنان إلى الطريق نفسه الذي أوصله إلى انهيار عام تسعة عشر: تخصيص المصارف للموارد بكفاءة، واستعادة الائتمان للقطاع الخاص. ويستحق هذان المحوران تحديداً وقفة متأنية، لأنهما يحملان الصلة الأوثق بجذر الأزمة السابقة، ولأن أي تكرار لهما من دون معالجة ما اعتراهما من قصور سابق سينتج على الأرجح النتيجة نفسها التي أنتجاها من قبل. ويسأل هذا المقال سؤالاً واحداً بشأن كل منهما، يستحق إجابة واضحة، قبل أن يُستكمل التفاوض على البرنامج ككل: ما الذي يضمن أن تختلف النتيجة هذه المرة؟ تخصيص الموارد بكفاءة: حين تُترك المصارف وحدها لا تختار الكفاءة بل الأمان يفترض الحديث عن تخصيص الموارد بكفاءة أن ثمة آلية تضمن توجيه الأموال نحو الاستخدام الأكثر إنتاجية بين البدائل المتاحة. وقد أُتيحت الفرصة كاملة أمام القطاع المصرفي اللبناني لاختبار هذه الآلية بنفسه بين عامي سبعة وتسعين وتسعة عشر، إذ عمل هذا القطاع طوال هذين العقدين تحت استقرار نقدي كامل، وثقة مستمرة من المودعين، وتدفق ودائع ضخم لم ينقطع لسنوات طويلة؛ ولم يكن أمام المصارف اللبنانية أي عائق مؤسسي يمنعها من تمويل الصناعة أو الزراعة التصديرية أو الخدمات القابلة للتصدير، بل توفرت لها كل الظروف التي يُفترض أن تشجع هذا التمويل. واختارت المصارف، رغم ذلك، أن توجه الجزء الأكبر من محفظتها نحو سندات الدين العام وتوظيفات المصرف المركزي، أدوات قصيرة الأجل، مضمونة العائد، منخفضة المخاطرة نسبياً. ولم يكن هذا الاختيار انحرافاً عن السلوك المصرفي الطبيعي، بل كان تجسيداً دقيقاً له؛ فأي مصرف تجاري يخضع لتقييم دوري متكرر أمام مساهميه، ويكافئ هذا التقييم العائد السريع والمؤكد أكثر مما يكافئ العائد البطيء وغير المضمون، حتى لو كان هذا الأخير أعلى قيمة على المدى الطويل. وتتطلب القروض الإنتاجية الحقيقية، كتمويل مصنع أو مزرعة تصديرية، آجالاً تمتد لسنوات قبل أن تُدرّ عائداً ملموساً، بينما تمنح الأدوات قصيرة الأجل عائداً أسرع وأكثر يقيناً في المقابل. ويميل أي مصرف يوازن بين هذين الخيارين وفق منطقه التجاري البحت إلى تفضيل الخيار الأول، لا لأنه الأكفأ اقتصادياً للمجتمع ككل، بل لأنه الأكثر أماناً لميزانيته الخاصة. وهذا يكشف حقيقة يغفلها الحديث العام عن كفاءة تخصيص الموارد: الكفاءة من منظور المصرف الفردي ليست بالضرورة الكفاءة من منظور الاقتصاد الوطني. فقد يكون توظيف الأموال في سندات حكوم