لم تعد المشكلة في العثور على موعد لجولة تفاوض جديدة، بل في توافر ما يجعلها مختلفة عن سابقاتها، فالتطورات المتسارعة في الجنوب لم تبدد علامات الاستفهام المحيطة بالجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية برعاية أميركية في روما، بل أضافت إليها تعقيدات جديدة، فالموعد الذي كان يفترض أن يُحسم في منتصف ايلول اصبح أكثر ارتباطاً بما ستقرره واشنطن في ضوء المشهد الميداني المستجد، وما إذا كانت ترى أن الظروف باتت ناضجة للانتقال إلى خطوة جديدة، أم أن المرحلة تستدعي مزيداً من الانتظار، فالحركة الأميركية التي يقودها السفير ميشال عيسى بين بيروت وتل أبيب تصطدم بواقع إسرائيلي لا يبدي استعجالًا للعودة إلى طاولة روما، فيما يبدو أن ملف الاسرى اللبنانيين بلغ السقف الذي تستطيع واشنطن انتزاعه في هذه المرحلة. وتتجه الأنظار في الأيام المقبلة إلى طبيعة المقاربة الأميركية لما بعد سيطرة إسرائيل على مرتفعات علي الطاهر، وما إذا كانت هذه التطورات ستدفع نحو استكمال تجربة المناطق التجريبية وتوسيعها، أم ستفرض إعادة ضبط الإيقاع بانتظار توافر شروط أكثر ملاءمة للمرحلة الثانية. وعليه، لا يبدو أن الحديث الإسرائيلي عن تقليص القوات في جنوب لبنان يعني في المدى المنظور تراجعًا عن الوجود العسكري، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة صياغته وفق معادلة ميدانية جديدة. فبعد استكمال تدمير الأنفاق في منطقة علي الطاهر، تتجه إسرائيل، بحسب هيئة البث الإسرائيلية نقلاً عن مصادر أمنية، إلى خفض حجم انتشارها وإعادة تموضع قواتها ضمن نطاق أقرب إلى الحدود، بعمق يتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وتكشف هذه الخطوة عن انتقال من الانتشار الواسع إلى انتشار أكثر تركيزًا، تحت عنوان إقامة منطقة أمنية جديدة، بما يتيح لجيش الاحتلال الإسرائيلي تقليص كلفة وجوده وعديد قواته، من دون التخلي عن الإمساك بشريط ميداني داخل الجنوب. وبذلك، فإن الانسحاب من المواقع الأبعد لا يبدو انسحابًا بالمعنى السياسي أو العسكري الكامل، بل إعادة انتشار تهدف إلى تثبيت واقع أمني جديد أكثر التصاقًا بالحدود، وهذا يؤكد ان إسرائيل لا تبحث عن خفض انتشارها، بل عن تحويل هذا الانتشار إلى منطقة نفوذ أمنية أكثر ثباتًا. الى ذلك لا يبدو الاتصال بين رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني منفصلاً عن حركة الاتصالات الدبلوماسية المتسارعة لاحتواء التصعيد الإقليمي، إذ يأتي في وقت تتقاطع فيه المساعي الدولية والعربية لمنع اتساع دائرة المواجهة وفتح مسارات سياسية للأزمات القائمة. وفي هذا السياق، تؤكد الدوحة مجدداً أن لبنان يحتل موقعاً ثابتاً في مقاربتها الإقليمية، سواء من بوابة دعم استقراره أو عبر مساندة الجهود التي تهدف الى حماية أمنه ومنع انعكاس التصعيد المحيط به على ساحته الداخلية. كما أن التشديد القطري على حرية الملاحة والتوصل إلى اتفاق شامل يعكس انخراط الدوحة في مسار دبلوماسي أوسع يتجاوز الملفات الثنائية، ويفتح الباب أمام دور قطري محتمل في الدفع نحو تسويات إقليمية. اما في المواقف الايرانية، فقال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قآاني إن حزب الله "ينمو ويزداد رفعة أكثر من ذي قبل". واعتبر حزب الله أن إسرائيل تواصل تصعيد عدوانها على لبنان، قتلاً وقصفاً وتدميراً، مشيراً إلى أن هجومها الأخير أدى إلى سقوط أربعة شهداء وعشرات الجرحى، في ظل صمت دولي وتواطؤ أميركي وغياب السلطة اللبنانية عن تحمّل مسؤولياتها. واتهم الحزب الولايات المتحدة بتوفير الغطاء والدعم للعدوان، معتبراً أن التصعيد يهدف إلى الضغط على الدولة اللبنانية وابتزازها لدفعها نحو تنفيذ أجندات تخدم أهداف إسرائيل، محذراً من أن استمرار المسار التفاوضي الحالي يمنح الاحتلال مزيداً من الوقت لفرض شروطه. ورأى أن استمرار الاحتلال والعدوان يفنّد ما وصفه بادعاءات السلطة حول جدوى المفاوضات المباشرة و"اتفاق الإطار"، معتبراً أن الإفراج عن بعض الأسرى اللبنانيين، رغم أهميته، لا يبرر التغاضي عن استمرار الاعتداءات والاحتلال أو مواصلة مسار تفاوضي أثبت، عجزه عن حماية لبنان. ودعا الحزب السلطة إلى مراجعة خياراتها والعودة إلى الثوابت الوطنية الجامعة، كما حثّ اللبنانيين على توحيد موقفهم في مواجهة العدوان، بما يحفظ سيادة لبنان وقوته ومنعته.