تتجه الأنظار اليوم إلى معراب، حيث يلقي رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع كلمته في ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية. وقد تكون هذه الإطلالة أكثر من محطة حزبية سنوية، إذا قرر جعجع الخروج من الخطاب التقليدي ومخاطبة اللبنانيين بلغة رجل الدولة، لا بلغة تسجيل النقاط بين أهل المشروع الواحد. فالمناسبة كبيرة، والمرحلة أخطر من أن تُختصر بمواقف تستدرج التصفيق داخل القاعة. لبنان يواجه احتلالاً إسرائيلياً يتمدّد في الجنوب، واعتداءات يومية، وقرى تُدمّر، وأهالي عاجزين عن العودة إلى منازلهم، فيما تخوض الدولة مفاوضات شديدة التعقيد لاستعادة الأرض، وحصر السلاح، وإنهاء زمن الحروب المفتوحة. وسط هذا المشهد، يستطيع جعجع أن يخطف الأضواء بخطاب مختلف، يبدأ من نصيحة واضحة: لا تهاجم رئيس الجمهورية كالعادة، ولا تجعل من بعبدا خصماً في اللحظة التي تحتاج فيها الدولة إلى تماسك مؤسساتها. ليس لأن الرئيس جوزاف عون فوق النقد، ولا لأن أداء العهد لا تجوز مناقشته، بل لأن جعجع لا يستطيع المطالبة بقيام الدولة، ثم إضعاف رأسها عندما يخوض أصعب مواجهة لاستعادة قرارها. كما لا يمكنه تأييد حصر السلاح والتفاوض، ثم الدخول في سجال مع الرئيس الذي يتبنّى هذا المسار ويتحمّل القسم الأكبر من كلفته السياسية. وإذا كانت لدى جعجع ملاحظات على بطء التنفيذ أو أداء بعض الوزراء والمؤسسات، فمن حقه إعلانها، لكن الفارق كبير بين النقد المسؤول وتحويل كل إطلالة إلى محاكمة للعهد. فالرئيس يحتاج اليوم إلى من يدفعه إلى الأمام، لا إلى من يفتح عليه جبهة من داخل الصف السيادي، في وقت يتعرض فيه لحملة تخوين بسبب إصراره على حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة. ومن هنا، يمكن لجعجع أن يمنح خطابه بعداً وطنياً بإعلان دعمه الواضح لخيار التفاوض، مع المطالبة بأن يقود هذا المسار إلى نتائج ملموسة: انسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الاعتداءات، وإطلاق المحتجزين، وعودة النازحين، وانتشار الجيش، وبدء إعادة الإعمار. فدعم التفاوض لا يعني منح إسرائيل وقتاً مفتوحاً لتغيير الوقائع، بل تحصين موقف الدولة ومساعدتها على انتزاع حقوق لبنان. أما في ملف حزب الله، فإن الخطاب الكبير لا يُبنى على الشماتة. فسقوط المواقع أو تراجع النفوذ العسكري للحزب ليس مناسبة للاحتفال، لأن الأرض التي تُحتل لبنانية، والبيوت التي تُدمّر تعود إلى لبنانيين. ويمكن لجعجع أن يكون حازماً في إعلان انتهاء تجربة السلاح خارج الدولة سياسياً وعسكرياً، وأن يدعو الحزب إلى الانتقال الكامل نحو العمل السياسي وتسليم سلاحه ومقدراته العسكرية إلى الجيش، من دون التعامل مع خسائره وكأنها مكسب داخلي لفريق آخر. لكن الخطوة الأهم، والأكثر قدرة على تغيير المشهد، أن يتوجه جعجع إلى أبناء الطائفة الشيعية بوصفهم شركاء في الوطن، لا مسؤولين عن خيارات قيادة الحزب. عليه أن يقول لهم إن أمن الجنوب مسؤولية وطنية، وإن إعادة إعمار قراهم وعودتهم إلى أرضهم قضية تخص جميع اللبنانيين، وإن قيام الدولة لا يستهدفهم، بل يحررهم من دفع أثمان الحروب المتكررة. بهذه المقاربة، يستطيع جعجع أن يتجاوز حدود جمهوره الحزبي ويخاطب اللبنانيين جميعاً. يستطيع أن يثبت أنه شريك في حماية العهد ومسار الدولة، لا منافساً يبحث عن خطأ رئاسي ليستثمر فيه. كما يستطيع أن يختلف مع الرئيس من دون أن يهدم موقع الرئاسة، وأن يواجه حزب الله من دون الإساءة إلى طائفته، وأن يدين إسرائيل من دون التراجع عن مطلب حصر السلاح. هذا هو الخطاب الذي يمكنه أن يغيّر المشهد: خطاب لا يحتفل بخسارة لبناني، ولا يفتح معركة مع رئيس الجمهورية، ولا يكتفي بترداد مواقف أثبتها جعجع طوال سنوات، بل يقدّمه قائداً قادراً على التقاط اللحظة والتصرف بمسؤولية وطنية. فلبنان لا يحتاج اليوم إلى زعيم يثبت أنه كان على حق في الماضي، بل إلى مسؤول يساعدها على الخروج من حاضرها الخطير. ولا انتصار للبناني على لبناني، بل انتصار واحد ممكن: أن تستعيد الدولة أرضها وسلاحها وقرارها.