يكشف المسح الذي أعدّته وزارة الزراعة، حول واقع المزارع والمسالخ الواقعة في محيط مطار رفيق الحريري الدولي أن الملف أكثر تعقيداً من مسألة مجموعة منشآت يفترض إقفالها أو نقلها. فالمنطقة التي تناولها التقرير تضم نشاطاً زراعياً وحيوانياً وغذائياً متشعباً، نشأ وتوسع على مدى سنوات، وإرتبط به عدد كبير من المزارعين والعمال والتجار والعائلات، في الوقت الذي أفرز فيه هذا الواقع مشكلات بيئية وصحية ومخاطر مرتبطة بسلامة الطيران تستوجب معالجة منظمة وشاملة. المسح تناول بصورة خاصة المناطق المحيطة بالمطار ضمن نطاق شعاع يصل إلى خمسة كيلومترات، وشمل مناطق بإتجاه خلدة والشويفات وطريق المطار والمناطق الزراعية المحيطة بها، وصولاً إلى مواقع تربية الحيوانات والمسالخ والتجمعات السكنية والطرق والمنشآت القائمة في النطاق المدروس. ولم يقتصر التقرير على تحديد مواقع المنشآت، بل سعى إلى ربطها بالطرق والمناطق السكنية، وشبكات المياه والصرف الصحي والأراضي الزراعية وحدود المطار ومناطق الإقلاع والهبوط ومسارات الطائرات. وتظهر المعطيات التي استند إليها التقرير وجود نحو 13 مزرعة للمواشي، يتضمن بعضها مسالخ، إضافة إلى أربعة مسالخ للدواجن، فضلاً عن أنشطة مختلفة مرتبطة بتربية الأبقار والماشية والدواجن، وإيواء الحيوانات وتسمينها، والذبح، وتخزين الحيوانات والمنتجات الحيوانية ونقلها، وتجميع المخلفات العضوية والروث، إلى جانب أنشطة تجارية متصلة بتوزيع اللحوم والحيوانات الحية. وهذه الصورة تظهر أن المنطقة لا تضم منشآت معزولة، بل قطاعاً مترابطاً له إمتدادات إقتصادية وإجتماعية واسعة. ويضع المسح الجانب البيئي في صلب المشكلة. فالمزارع والمسالخ تشكل، وفق التقرير، أحد مصادر الروائح في محيط المطار، بالتوازي مع مشكلات مرتبطة بمياه الصرف الصحي في بعض المناطق المجاورة. ويحدد التقرير مجموعة من مصادر الضرر، أبرزها إنبعاث الروائح الناتجة عن روث الحيوانات والمخلفات العضوية، وتخزين المخلفات الحيوانية بطرق غير ملائمة، وتصريف المياه الناتجة عن عمليات التنظيف والذبح، وجذب الحشرات والقوارض والطيور، فضلاً عن إحتمال إنتقال الملوثات إلى التربة والمياه. ولا تتوقف إنعكاسات هذا الواقع عند حدود البيئة المباشرة، إذ يشير المسح أيضاً إلى الأثر السلبي على المشهد الحضري والسياحي عند المدخل الأساسي للبلاد، وإلى تداخل بعض المنشآت مع المناطق السكنية والطرق والمنشآت الحساسة المحيطة بالمطار. والأكثر أهمية أن التقرير يضع سلامة الطيران ضمن العناصر التي يجب أن تحكم مستقبل كل منشأة، ولا سيما من ناحية احتمال جذب الطيور والحيوانات إلى منطقة المطار. إلا أن أهمية المسح تكمن في أنه لم يتعامل مع هذه المنشآت من الزاوية البيئية وحدها. فقد خصص جانباً أساسياً لدورها في الأمن الغذائي، معتبراً أنها تساهم في تأمين جزء من إحتياجات السوق المحلي، ولا سيما في بيروت ومحيطها، من اللحوم الحمراء ولحوم الدواجن ومنتجات الحيوانات. ويشير التقرير إلى أن مسالخ الشويفات وحدها تنتج ما يقارب 30 ألف فروج يومياً، ونحو 3500 رأس من الأغنام أسبوعياً، وحوالي 600 رأس من الأبقار أسبوعياً. كما يقدّر التقرير، إستناداً إلى الإحصاءات المتوافرة لديه، أن هذه المنشآت تؤمن نسبة تقارب 20 في المئة من حاجة الأسواق اللبنانية من اللحوم. وهذا الحجم الإنتاجي يفسر لماذا لا يمكن النظر إلى أي قرار بالإقفال أو النقل، بمعزل عن إنعكاساته المحتملة على توفر اللحوم وكلفة النقل والأسعار في السوق. لكن البعد الأبرز الذي يكشفه المسح هو البعد الاجتماعي. فهذه المنشآت ليست ملكاً لأصحابها فقط، ولا تنحصر أهميتها بالمزارع أو المسلخ بحد ذاته، بل تقوم حولها شبكة واسعة من الناس والأسر التي تعتمد عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ويعدد التقرير أصحاب المزارع والعاملين في تربية المواشي، وعمال المسالخ وسائقي الشاحنات وتجار المواشي وتجار الأعلاف والأطباء البيطريين، والقصابين والعاملين في نقل اللحوم والمطاعم والمؤسسات الغذائية، بإعتبارهم أجزاء من سلسلة اقتصادية واجتماعية واحدة. كما ترتبط بهذه الأنشطة عائلات تعتمد على دخل أفراد يعملون في تلك المنشآت أو في القطاعات التي تدور حولها. وهذا ما يدفع التقرير إلى اعتبار معالجة الأثر الاجتماعي لأي قرار أولوية، نظراً لما قد يترتب على الإقفال أو النقل من بطالة وفقدان لمصادر الدخل وتأثير على الأمن الاجتماعي للعائلات التي تعتمد على هذه الأعمال. ولا يكتفي المسح بالإشارة العامة إلى هذا البعد، بل يدعو إلى تحديد عدد العمال في كل منشأة، اللبنانيين منهم والأجانب، وعدد أفراد الأسر الذين يعتمدون على دخل المنشأة، وكذلك تحديد الوظائف التي يمكن نقلها مع أصحابها إلى مواقع بديلة. وبذلك ينتقل البعد الاجتماعي من مجرد إعتبار إنساني عام إلى عنصر يفترض أن يدخل فعلياً في