لا تكمن أهمية ممرات آسيا الوسطى بالنسبة لإيران في قدرتها على إخراج النفط من الحصار الأميركي، بل في وظيفة أكثر مباشرة، وهي إبقاء تدفق السلع والمواد الأساسية متاحة عندما تصبح التجارة البحرية والتمويل الدولي أكثر كلفة ومراقبة. فمن كازاخستان وتركمانستان وروسيا، تستطيع إيران الحصول على الحبوب والأسمدة والمواد الأولية، عبر السكك والطرق وموانىء بحر قزوين، فيما تفتح هذه الشبكة أسواقاً أمام صادراتها غير النفطية. وتكتسب هذه الوظيفة وزناً أكبر بعد الحصار المطبق عليها، بعدما أظهرت الحرب والقيود على الملاحة في الخليج أن الاعتماد على طريق بحري واحد يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية. لذلك تعمل طهران على تحويل مممرات آسيا الوسطى خشبة خلاص لها، لا تعتمد فيها على الدولار أو على شركات الشحن والتأمين الغربية. يبرز ممر كازاخستان-تركمانستان-إيران كأحد أهم الشرايين، فتصل عبره الحبوب والقمح والشعير والذرة والمواد الخام، إما بالسكك مباشرة، أو عبر النقل متعدد الأنماط من موانىْ بحر قزوين إلى الشمال الإيراني.ففي 2025 ارتفع حجم نقل البضائع على ممر الشمال-الجنوب حوالي 3.5 ملايين طن وفق بيانات كازاخستان التي أعلنتها في حزيران/ يونيو 2026، كما ارتفع النقل بالسكك الحديدية بين كازاخستان وإيران بنسبة 69%، وهو مؤشر على أن الممر لا يتحرك فقط كمشروع جيوسياسي بل كقناة تجارية فعلية تسد حاجات إيران. وتكتسب الحبوب أهمية خاصة للسوق الإيرانية وكذلك الأمر بالنسبة للصادرات الكازاخستانية. وهذا الأمر يتيح لإيران الحصول على سلع أساسية من دول قريبة جغرافية عبر طرق برية أو عبر بحر قزوين وهي أقل تعرّضاً لضغط الحصار المباشر. ولا يقتصر الأمر على الواردات، ففي بداية شهر نيسان/ أبريل من السنة الحالية تكثّفت رحلات قطارات الشحن المنتظمة بين الصين وإيران مروراً بتركمانستان وكازاخستان، وتصاعدت معها رحلات الشحن من روسيا عبر كازاخستان-إيران وبالعكس، وشهدت نشاطاً متزايداً بعد اشتداد الحصار. وهناك مسار آخر بدأ كطريق تجريبي وتطور إلى شبكة منظمة وهو مسار يبدأ من الصين-كازاخستان-تركمانستان-إيران وبالعكس. ففي سنة 2025 وصل أول قطار شحن من مدينة شيآن الصينية إلى ميناء آبرين الجاف قرب طهران، عبر كازاخستان وتركمانستان، في خطوة اعتُبرت مهمة تربط إيران بشبكة السكك الصينية مباشرة. وفي هذه السنة واصلت الصين العمل على تطوير هذا المسار لربطه بتركيا ومنها إلى أوروبا، والمهم هنا هو أن إيران في ظل الحصار أصبح هذا المسار بالنسبة لها واحداً من مسارات الالتفاف على الحصار الأميركي المتصاعد عليها. وهناك مسار آخر وهو ممر الشمال-الجنوب الذي يربط روسيا بآسيا الوسطى ثم بالموانىء الإيرانية، وهذا يساعد إيران على نقل الحبوب والأسمدة والأخشاب والمعادن والسلع الصناعية. وتسعى إيران لرفع القدرة الاستيعابية للممرات لسد العجز الحاصل نتيجة الحصار، فهي تسعى إلى رفع قدرة هذه الممرات من 15 مليون طن سنوياً مع حلول سنة 2027 لتصل إلى 20 مليون طن سنة 2030. وهذه المسارات وأرقامها تفسر لماذا أصبحت آسيا الوسطى مهمة في استراتيجية الصمود الاقتصادي الإيراني. فهي بذلك تستطيع استيراد الغذاء والأسمدة والمواد الأولية من ممرات الشمال والشرق، وفي الوقت عينه تصدير الحديد والبتروكيماويات ومواد البناء والمنتجات الزراعية إلى أسواق آسيا الوسطى والصين وروسيا دون المرور بالموانىء الجنوبية أو بالنظام المالي الغربي. لكن يجب عدم الخلط بين الممرات البرية وشبكة تصدير النفط الإيراني. فالنفط لا يعبر حالياً نحو آسيا الوسطى بكميات تضاهي الصادرات البحرية إلى الصين، بل ينقل بواسطة ناقلات بحرية ضمن شبكة معقدة من الوسطاء والشركات والسفن التي تسعى لتقليل أثر العقوبات الأميركية. وهنا تظهر قيمة الممرات البرية، فهي إن لم تسمح لإيران باستبدال صادراتها النفطية، إلا أنها تساعدها على تخفيف اعتماد اقتصادها الداخلي على عائدات النفط والعملات الصعبة، ذلكَ من خلال شراء القمح والذرة والأسمدة والمواد الأولية من كازاخستان وروسيا وتركمانستان بعملات محلية أو عبر نظام المقايضة. وهذا يجعل جزءاً وازناً من العملات الصعبة، والموارد يمكن الاحتفاظ به، أو توجيهه نحو الاحتياجات الملحة والتي لا يمكن مبادلتها. ويوفر قطاع الطاقة بحد ذاته مجالاً للمقايضة، فطهران ترتبط بتركمانستان بشبكة غاز، ويمكنها من خلال موقعها الجغرافي التحول إلى عقدة محورية لتبادل الطاقة بين آسيا الوسطى والأسواق الجنوبية، بينما تتيح موانىء بحر قزوين دمج النقل البحري قصير المدى بشبكات السكك الحديدية والخطوط البرية، مما يقلص الاعتماد التام على الممرات البحرية الخاضعة للمراقبة الصارمة. ومع ذلك لا تمثل هذه الشبكة حصانة مطلقة من العقوبات، فالمصارف والشركات الأجنبية ووكالات التأمين المتعاملة مع إيران تظل عرضة للعقوبات