شهدت الأسواق العالميّة هذا الأسبوع تداخل التداعيات المرتبطة بمسارين منفصلين. فمن ناحية، ترك التصعيد الأميركي-الإيراني نتائج واضحة للعيان في أسواق النفط والذهب، خصوصاً مع عودة مخاطر تعطيل إمدادات الطاقة التي تمر عبر مضيق هرمز. ومن جهة أخرى، برز انقسام مستجد داخل الاحتياطي الفيدرالي، بين رئيسه كيفن وارش، الذي لوّح بمزيد من التشديد النقدي في شهر أيلول الحالي، وعضو مجلسه كرستوفر والر، الذي أبدى استعداداً لترك معدلات الفائدة على حالها، إذا استمرّت معدلات التضخّم بالتراجع. هذا التجاذب ما بين المخاوف الجيوسياسيّة، وتوقّعات السياسة النقديّة، رسم جميع مؤشّرات هذا الأسبوع تقريباً. وبدا أنّ الأسواق ما زالت متأهّبة، في انتظار حسم اتجاه السياسة النقديّة الأميركيّة أولاً، وتطوّرات الوضع في منطقة الخليج العربي ثانياً. تأثّرت سوق العملات بشكلٍ واضح برهانات المستثمرين على اتجاهات الفوائد خلال الشهر الحالي. إذ من المعلوم أنَّ أي ارتفاعٍ مقبل في معدلات الفائدة الأميركيّة سيرفع الطلب على الدولار الأميركي، للاستفادة من عوائد الأصول المقوّمة بالدولار، والعكس صحيح. في بداية هذا الأسبوع، تأثّرت قيمة الدولار الأميركي بشكلٍ إيجابي بالتصريحات السابقة لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، التي أوحت بوجود اتجاه لرفع الفوائد خلال الأسابيع المقبلة. غير أنّ حركة أسعار العملات سرعان ما انقلبت لاحقاً بالاتجاه المعاكس، مع صدور بيانات تؤكّد ضعف التوظيف في القطاع الخاص الأميركي، وهو ما يدعم قرار الإبقاء على معدّلات الفوائد كما هي، لدعم النشاط الاقتصادي. وتزامن صدور هذه البيانات مع تصريحات عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي كرستوفر والر، التي دعمت الإبقاء على معدلات الفائدة الحاليّة، وهو ما دفع الأسواق إلى عدم الرهان على رفع وشيك للفائدة. ولهذا السبب، أنهى مؤشّر الدولار -الذي يقيس قوّة الدولار مقابل سلّة من العملات- الأسبوع بانخفاض أسبوعي بنسبة 0.14 بالمئة. في المقابل، استفاد اليورو من هذه المناخات، ليسجّل زيادة أسبوعيّة في قيمته مقابل الدولار بنسبة 0.34 بالمئة، بمعزل عن المخاوف المرتبطة بكلفة مصادر الطاقة. ويبدو أن العملة الأوروبيّة استفادت أيضاً من البيانات التي عكست تسارع وتيرة التضخّم في منطقة اليورو، ما عزّز التوقّعات برفع إضافي لفوائد البنك المركزي الأوروبي، وهو ما زاد من جاذبيّة اليورو في الأسواق الدوليّة. أمّا الين الياباني، فسجّل أقوى ارتفاع أسبوعي من بين العملات الأساسيّة في الأسواق، وبنسبة قاربت 2.32 بالمئة. ويبدو أن الين استفاد من تصاعد التوقعات برفع وشيك للفوائد من قبل البنك المركزي الياباني، فضلاً عن وجود تكهنات بشأن عزم طوكيو التدخّل رسمياً لدعم عملتها. وبالشكل نفسه، واصل اليوان الصيني ارتفاعه الأسبوعي مقابل الدولار، وبنسبة 0.29 بالمئة، بالاستفادة من البيانات الصينيّة التي أظهرت توسّعاً قوياً في قطاعي الصناعة والخدمات في الصين خلال شهر آب. وبهذا الشكل، اقترب اليوان من اختراق أقوى مستوياته مقابل الدولار منذ أكثر من ثلاث سنوات. في أسواق النفط، لم تكن توقعات الاحتياطي الفيدرالي المحرّك الأبرز، بل كان النفط الساحة التي انعكست فيها تداعيات التصعيد الجيوسياسي في منطقة الخليج. فقد سجّل خام برنت أقوى مكاسبه الأسبوعية، بارتفاعٍ نسبته 6.56 بالمئة، ليبلغ 95.17 دولاراً للبرميل، فيما قفز خام غرب تكساس الوسيط بنسبة أسبوعيّة أكبر بلغت 8.81 بالمئة، ليصل إلى 90.75 دولاراً. وجاءت هذه التطوّرات في أسواق النفط مدفوعة بتجدّد الأنشطة العسكريّة ما بين واشنطن وطهران، وهذا ما رفع المخاوف من تعطّل شحنات الطاقة مجدداً عبر مضيق هرمز. ومع ذلك، حدّ استمرار تدفّق النفط عبر المضيق، وإن بمستويات أقل، من حدّة ارتفاع الأسعار. في المقابل، سجّل الذهب زيادة أسبوعيّة بنسبة 0.53 بالمئة، ليقف في نهاية الأسبوع عند حدود 4,478.54 دولار أميركي للأونصة. كما سجّل الفضّة زيادة أسبوعيّة أكبر، بنسبة 1.07 بالمئة. ويبدو أنَّ ارتفاع أسعار الذهب جاء مدفوعاً بتراجع الرهانات على ارتفاع معدلات الفوائد الأميركية، وهو ما رفع من جاذبيّة المعدن الأصفر كبديل طبيعي للأصول المدرّة للفائدة. في النتيجة، اختصر هذا الأسبوع التريّث والقلق في الأسواق على جبهتين. ففي مقابل التوتر الجيوسياسي في منطقة الخليج، ومخاوف انقطاع سلاسل الإمداد النفطيّة، جاءت انقسامات الاحتياطي الفيدرالي، بين التوجّه الداعي إلى رفع الفوائد، والاتجاه الذي يفضّل التريّث في انتظار اتضاح آثار تباطؤ سوق العمل. وحتّى اتضاح المشهد، على الجبهتين، ستبقى حركة الدولار والذهب والنفط رهينة كل تصريح جديد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، أو كل تطوّر ميداني في الخليج. وخلال الأسبوع المقبل، ستكون بيانات التضخّم الأميركي المحطّة الأبرز، لتحديد حركة العملات والمعاد