لم تعد مسألة مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL) مسألة مرتبطة بمجرد تجديد دوري لولاية قوة حفظ سلام دولية تعمل في جنوب لبنان منذ عام 1978، فلقد دخلت المسألة منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 2790 تاريخ 28 آب 2025، مرحلة قانونية جديدة بعدما قرر المجلس أن يكون تمديد ولاية اليونيفيل حتى 31 كانون الأول 2026 تمديداً نهائياً، وأن تبدأ في ذلك التاريخ عملية "تقليص وانسحاب منظم وآمن" تستمر خلال سنة (1). غير أن القرار ذاته يكشف عن مفارقة قانونية وسياسية بالغة الأهمية، فمن جهة يقرر إنهاء العمليات الميدانية لليونيفيل في 31 كانون الأول 2026، ومن جهة ثانية يعيد التأكيد بصورة صريحة على ضرورة التنفيذ الكامل للقرار 1701 (2006) وعلى إستمرار مسؤولية مجلس الأمن عن السلام والإستقرار على الخط الأزرق، ويطلب من الأمين العام أن يقدم خيارات لمستقبل تنفيذ القرار 1701 بعد إنسحاب اليونيفيل (2). وهكذا لم يعد السؤال الحقيقي بتجديد أو عدم تجديد الأمم المتحدة ولاية اليونيفيل، بل أصبح مرتبطًا بكيفية إنهاء مهمة اليونيفيل من دون إنهاء النظام القانوني الذي أنشأه القرار 1701، وطبيعة الآلية التي ستخلفها لضمان تنفيذ هذا القرار. ويكتسب هذا السؤال أهمية إضافية في ضوء التطورات التي شهدها جنوب لبنان خلال عام 2026، وفي ضوء إستمرار الخروقات والأعمال العدائية، وإستمرار وجود القوات الإسرائيلية في مواقع داخل الأراضي اللبنانية بحسب ما سجله مجلس الأمن في القرار 2790، فضلاً عن إستمرار الحاجة إلى تعزيز إنتشار الجيش اللبناني وعدم تسليم حزب الله لسلاحه للشرعية اللبنانية حتى تاريخه (3). والأهم أن الأمين العام للأمم المتحدة، تنفيذاً للفقرة 10 من القرار 2790، قدم في 1 حزيران 2026 خيارات محددة للمرحلة التالية لانسحاب اليونيفيل، تراوحت بين وجود دولي محدود يقارب 1,980 عنصراً، ومتوسط يقارب 3,370، ووجود أكبر يقارب 5,525 عنصراً، مع اختلاف جوهري في طبيعة المهام وقدرات المراقبة والتحقق والانتشار(4). وليكن واضحًا منذ البداية أن إنهاء ولاية اليونيفيل لا يعني من الناحية القانونية إنهاء القرار 1701 ولا إسقاط الالتزامات التي يرتبها، وإنما يعني انتهاء آلية مؤسسية محددة لتنفيذ جزء من هذه الالتزامات، بما يوجب تحديد آلية بديلة قادرة على ضمان تنفيذها. من هنا، يعالج الكاتب بإختصار موضوع اليونيفيل وما بعد مرحلة اليونيفيل في أربع نقاط، اليونيفيل وقرارات مجلس الامن ذات الصلة، مرحلة ما بعد اليونيفيل والخيارات المتاحة، طبيعة الوجود الدولي المستقبلي بعد اليونيفيل واليونيفيل بين اتفاق الاطار وموقف حزب الله. أولًا، اليونيفيل وقرارات مجلس الامن ذات الصلة بكل الاحوال وبالعودة الى التاريح القريب، أنشأ مجلس الأمن قوة الأمم المتحدة المؤقتة "اليونيفيل" في لبنان بموجب القرارين 425 و426 تاريخ 19 آذار 1978، في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان. وقد حدد القرار 425 ثلاث وظائف أساسية للقوة، وهي تأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية وإعادة السلام والأمن الدوليين، كما مساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها الفعلية في المنطقة. ومن هنا، فإن اليونيفيل لم تُنشأ أصلاً كقوة بديلة عن الدولة اللبنانية، بل كأداة مؤقتة لمساعدة لبنان الرسمي على استعادة سيادته وممارسة سلطته(5). وهذه النقطة ذات أهمية كبيرة، اذ لا ينبغي فهم مسألة إنهاء مهمة اليونيفيل على أنه تراجع عن مبدأ السيادة اللبنانية الذي كان أحد الأهداف الأصلية لإنشائها. أما في القرار 1559 (2004)، فلقد دعا مجلس الأمن إلى احترام سيادة لبنان واستقلاله السياسي وسلامة أراضيه وانسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان وحل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها وبسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية (6)، وهذا القرار أساسي لأنه نقل المسألة من مجرد نزاع حدودي لبناني-إسرائيلي إلى مسألة سيادة الدولة اللبنانية واحتكارها المشروع للقوة المسلحة. وجاء القرار 1701 الشهير في 11 آب 2006 بعد الحرب الإسرائيلية-اللبنانية، وهو يمثل نقطة التحول الأساسية في طبيعة اليونيفيل لأنه لم يكتف بتمديد وجودها، بل قرر زيادة عددها إلى حد أقصى يبلغ 15 ألف عنصر، وتوسيع مهمتها ونطاق عملياتها (7)، والأهم أن القرار ربط بين عدة عناصر متكاملة كوقف الأعمال العدائية، انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، انتشار اليونيفيل، انسحاب القوات الإسرائيلية بالتوازي، عدم وجود أسلحة أو سلطة غير سلطة الدولة اللبنانية في منطقة محددة، وبذلك أنشأ ما يمكن تسميته النظام الأمني للقرار 1701، ولا يقوم هذا النظام على اليونيفيل وحدها، وبالتالي لا تختصر اليونيفيل القرار 1701، فالقرار 1701 أنشأ إطاراً قانونياً وسياسياً أوسع بكثير من مهمة اليونيفيل، وهذه هي النقطة المحورية في القراءة هنا لأنه يتضمن ا