حصل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، على الدعم السياسي الذي كان ينتظره. فقد أدانت المنظمة الهجمات العسكرية على إيران، ووصفتها بأنها انتهاك للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وجددت تأكيد سيادة إيران ووحدة أراضيها، ودعت إلى حل النزاع بالوسائل السياسية والدبلوماسية. لكن ما لم تحصل عليه طهران كان أهم من بيانات التضامن: لم تعرض المنظمة الدفاع عنها. وبحسب تحليل نشره موقع "Al Jazeera English"، يكشف هذا الفارق بين الدعم السياسي والضمانة الأمنية الكثير عن موقع إيران داخل منظمة شنغهاي، كما يكشف طبيعة النظام الدولي الجديد الذي يتشكل حولها. فسنوات الحديث عن "تعدد الأقطاب" أوحت أحياناً بأن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة سيتراجع لمصلحة كتلة بديلة تقودها الصين وروسيا، وتدور في فلكها مؤسسات مثل “بريكس” ومنظمة شنغهاي. من زاوية القوى المتوسطة، بدا الانضمام إلى هذه الأطر وسيلة لتقليل الاعتماد على الغرب، وتخفيف كلفة العزلة والعقوبات. لكن الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران أظهرت أن هذه العلاقات البديلة لا توفر ضمانة أمنية تشبه ما تمنحه التحالفات العسكرية الرسمية. الدرس هنا ليس أن تعدد الأقطاب فشل، بل أنه يعمل بطريقة مختلفة عما توقعته دول كثيرة. فالعالم الجديد لا يستبدل نظام تحالفات بآخر، بل ينتج شبكة كثيفة من الشراكات المتداخلة، تمنح الدول خيارات دبلوماسية واقتصادية أوسع، لكنها لا تمنحها بالضرورة حماية عسكرية عند الخطر. وهذه قد تكون السمة الأبرز للمرحلة المقبلة: هامش مناورة أكبر، لكن يقيناً أقل بشأن من سيقف إلى جانبك عندما تصبح أمنك مهدداً. تركيا تقدم مثالاً واضحاً. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي منذ أكثر من 7 عقود، ولا تزال جزءاً من البنية الأمنية الغربية. لكنها في الوقت نفسه أثبتت أن عضوية التحالف لا تعني اصطفافاً سياسياً آلياً مع واشنطن. فقد أبقت علاقاتها مع روسيا رغم حرب أوكرانيا، ووسعت انفتاحها على الصين، وشاركت في منظمة شنغهاي كشريك حوار، بينما أصبحت خلافاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل حول مستقبل الشرق الأوسط أكثر وضوحاً. لكن ذلك لا يعني أن أنقرة تغادر "الناتو" أو تنتقل إلى معسكر صيني أو روسي. على العكس، تقوم استراتيجيتها على تجنب هذا الخيار الثنائي. فعضويتها في الحلف تمنحها مزايا أمنية لا تستطيع منظمة شنغهاي تعويضها، بينما توسع علاقاتها مع روسيا والصين وإيران ودول الخليج خياراتها السياسية والاقتصادية. البرازيل تقدم نموذجاً مختلفاً. فهي ليست مرتبطة بالولايات المتحدة بتحالف عسكري رسمي، لكنها تتحرك تاريخياً داخل نصف كرة تهيمن عليه واشنطن. لذلك، فإن رفضها الانضمام إلى التحالف الأميركي لمكافحة الكارتيلات في الأميركيتين، ومواقفها من حرب إيران وأزمات دولية أخرى، يعكسان رغبة في رفض فكرة أن القرب الجغرافي من واشنطن يعني اصطفافاً استراتيجياً تلقائياً معها. ومع ذلك، لا تبدل برازيليا معسكراً بآخر. فهي عضو في "بريكس"، وتملك علاقات اقتصادية واسعة مع الصين، وتدعو إلى إصلاح النظام الدولي، لكنها تحتفظ أيضاً بعلاقات سياسية واقتصادية مهمة مع الولايات المتحدة وأوروبا. هدفها ليس استبدال الاعتماد على واشنطن بالاعتماد على بكين، بل الحفاظ على القدرة على التعاون مع الطرفين والاختلاف مع أي منهما. وهنا تكمن إحدى أهم الفرص التي يمنحها تعدد الأقطاب للقوى المتوسطة: خفض كلفة قول "لا". فالدول الأضعف لم تعد مضطرة دائماً إلى الامتثال لضغط قوة كبرى، أو مواجهة العزلة، أو البحث عن حماية كاملة من معسكر منافس. يمكنها اليوم تعميق علاقاتها مع الصين من دون أن تصبح حليفة لها، أو تعزيز تعاونها الأمني مع الولايات المتحدة من دون تبني كل مواقف واشنطن. الهند جعلت هذه الفكرة تقريباً أساس سياستها الخارجية. فهي تشارك في "الرباعية" مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا، وفي الوقت نفسه تنتمي إلى “بريكس” ومنظمة شنغهاي. وفي قمة بيشكيك، دعمت نيودلهي بيان شنغهاي الذي دافع عن سيادة إيران، بينما شدد رئيس الوزراء ناريندرا مودي أمام بزشكيان على أهمية الحفاظ على حرية الملاحة والتجارة عبر مضيق هرمز. ودول الخليج تتحرك بالمنطق نفسه. فالسعودية وقطر والإمارات لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في الأمن، لكنها توسع في الوقت نفسه علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع الصين والهند وقوى آسيوية أخرى، وتشارك في ترتيبات إقليمية ودولية جديدة. هذه الدول لا تريد استبدال واشنطن ببكين، بل تريد العلاقة مع الاثنين. لذلك، قد لا تكون النتيجة الأهم لتعدد الأقطاب هي ظهور كتلة جديدة تنضم إليها الدول الصغيرة والمتوسطة، بل تراجع الحاجة إلى الانضمام الحصري إلى أي كتلة. لكن هذه الحرية لها كلفة. فالشراكات المرنة التي تسمح للدول بتجنب الاختيار بين المعسكرات، لا